تونس 31°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

ترذيل الإعلام : حين تنزلق بعض المنصّات من رسالة الصحافة إلى ابتذال الجسد !.

بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

يشهد المشهد الإعلامي في تونس انزياحا مقلقا عن جوهر المهنة و المعايير التي تأسست عليها.
بينما يفترض أن يكون الصحفي حاملا للمعرفة ، ناقلا للخبر، ومنصتا لنبض المجتمع و الشارع ، تحوّل بعض الإعلاميين وخاصة الإعلاميات إلى واجهات رقمية تُروّج للسلع والخدمات أكثر مما تقدّم محتوى إعلاميا ذا قيمة ، رغم ما يتظاهرون به على الشاشة من ” ثقافة ” و ” حرفية ” ، فإن منصّات التواصل الاجتماعي تكشف الوجه الحقيقي الآخر لهذا القناع ، تفضح انزلاق البعض من دور الصحفي إلى دور أقرب إلى التسويق الجسدي والابتذال البصري .
أصبح المتابع اليوم أمام مفارقة عجيبة مؤلمة : لم نعد نميّز أحيانا بين صحفية يُفترض أنّها تحمل رسالة ، وبين امرأة تُقدّم صورتها في سوق العرض و الطلب الرقمي .
ليس لأن الجميع سواء ، بل لأن فئة من الإعلاميات اختارت طوعا محو الخط الفاصل بين “!الصحافة ” و ” التسليع ” ، بين ” الرسالة ” و ” العرض ” ، بين ” الخط التحريري ” و ” الخط الجسدي ” الذي صار ، للأسف أكثر حضورا وتأثيرا.
فمن اختارت هذا المسار، فلتعلن ذلك بوضوح أنها مؤثرة رقمية ، ولتخلع ثوب المهنة ، لأن الصحافة أسمى من أن تُختزل في إعلان مقنّع أو خدمة مجانية أو جسد يُستغل للايحاء ولفت النظر.
هذا الانحراف لا يقف عند حدود الذوق العام ، بل له تبعات أخلاقية وفكرية واجتماعية عميقة :

أولا : على المستوى الأخلاقي .
حين يتحوّل الإعلامي إلى وسيلة ترويج تجاري قائمة على الجسد والإيحاءات واستقبال الهدايا المجانية من مطاعم وعيادات ومحلات تجارية ، يصبح الجسد رأس المال الحقيقي ، ويغيب العقل والمعرفة والدور التنويري.
هكذا تنهار الأخلاق المهنية ، ويجد الجمهور نفسه أمام سؤال صارخ : هل من تعتمد هذه الممارسات ما تزال مصدرا جديرا بالثقة والمعرفة ، أم مجرد مؤثرة تبحث عن مكاسب عابرة ؟ .

ثانيا : على المستوى الفكري .
تذويب الحدود بين العمل الصحفي والاستعراض الجسدي يفرّغ الصحافة من معناها العميق . فتصبح الفكرة هامشية، والكلمة بلا سلطة ، والتحليل بلا قيمة.
ما دام الولاء الحقيقي يتجه نحو الإعلانات المقنّعة و ” الترند ” لا نحو الحقيقة ، تنحدر المهنة من فضاء التفكير إلى فضاء التلميع ، وتتحول الشاشة من منبر للتنوير إلى سطح براق بلا مضمون.

ثالثا: على المستوى الاجتماعي .
حين تُقدّم هذه النماذج على أنها ” إعلاميات ” ، تُصاب صورة المهنة كلها بالاهتزاز.
إذ يصبح النجاح الإعلامي ، في نظر البعض ، مرتبطًا بالعرض البصري ونفخ الشفاه وتعرية الجسد ، لا بالتحقيق والبحث والكتابة.
وبذلك تُظلم كل صحفية مجتهدة تعمل بضمير ومهنية ، لأن السلوكيات المنفلتة للبعض تُعمّم ظلمًا على الجميع ، فتتضرر صورة المرأة في الإعلام وتتراجع مكانتها.

رابعا: علاقة الجمهور بالإعلام .
حين يلاحظ المتابع أن من يفترض أن يثقّفه أو يعبّر عن قضاياه منشغلة بالحصول على ” جلسة تجميل مجانية “أو ” فستان سهرة ” أو ” وجبة غداء في مطعم ” و” سهرةفي نزل فاخر ” ، تسقط آخر جدران الثقة.
ومع عرض الخصوصيات بجرأة ، من غرف النوم إلى جلسات التجميل ، يُمحى الفارق بين الصحفي وصاحب المحتوى الهشّ ، وتتلاشى المصداقية التي تقوم عليها المهنة .
هذه ليست معركة ضد النساء ، ولا ضد حرية الظهور، بل هي معركة من أجل شرف المهنة ومعنى الصحافة.
انها دفاع عن حق الجمهور في إعلام يحترم ذكاءه ، ويقدّم له معرفة لا جسدا، ومعلومة لا إعلانا، ورسالة لا استعراضًا.
ما يحدث اليوم ليس حادثا عابرا، بل مؤشرا على أزمة قيم داخل الوسط الإعلامي.
ومع كل سقوط فردي ، تصاب المهنة كلها بخسارة أخلاقية ومجتمعية.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: ” لماذا سقط البعض؟ ” ، بل : ” كيف نُنقذ ما بقي من المهنة حتى لا يختلط الصحفي بصاحب المحتوى التجاري؟” .
إن إصلاح هذا المشهد ضرورة أخلاقية وثقافية واجتماعية، لحماية ما تبقّى من معنى الإعلام في تونس ، ولإعادة الاعتبار لمهنة كانت ، ويجب أن تبقى ، سلطة عقل، لا سلطة جسد.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية