عواصم- عرب 21 : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
شهدت قاعدة إلمندورف – ريتشاردسون العسكرية بمدينة أنكوراج في ألاسكا ، لقاء مطولا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين،
استمر اللقاء نحو ثلاث ساعات بحضور وفدي البلدين .
أعقبه مؤتمر صحفي مقتضب لم يتجاوز 12 دقيقة، ألقى خلاله الزعيمان كلمات قصيرة أمام خلفية كُتب عليها بالإنجليزية “Pursuing Peace ” ” السعي نحو السلام ” ، قبل أن يغادرا القاعة من دون الإجابة عن أسئلة الصحفيين .
وصف الرئيس ترامب الاجتماع بأنه ” مثمر للغاية ” ، فيما اكتفى بوتين باعتباره ” بناء ” ، غير أن كليهما تجنّب الخوض في تفاصيل ملموسة حول إمكانية التوصل إلى تسوية تنهي الحرب في أوكرانيا، المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بفعل الغزو الروسي. واكتفى الرئيس الأمريكي بالقول : ” لم نصل بعد، لكننا أحرزنا تقدما . لا يوجد اتفاق إلى أن يكون هناك اتفاق ” ، في تصريح بدا عاما وفضفاضا .
وأضاف ترامب أن الجانبين ” اتفقا على العديد من النقاط ” ، لكنه امتنع عن الكشف عنها، مكتفيا بالقول إن ” البعض منها ليس مهما جدا ، لكن أحدها ربما هو الأهم ” . كما أعلن عزمه التشاور مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الفترة المقبلة، مؤكدا أن ” القرار في النهاية بيد الأوكرانيين ” . ومع ذلك، لم يتمكن ترامب من انتزاع أي التزام روسي بوقف إطلاق النار، ما عكس محدودية قدرته التفاوضية أمام تشدد موسكو .
من جانبه، أعرب بوتين عن أمله في أن يشكّل ” التفاهم ” الذي تم التوصل إليه مع ترامب نقطة بداية نحو ” طريق السلام في أوكرانيا ” ، من دون أن يكشف تفاصيل إضافية. وقال: ” نأمل أن تتعامل كييف والعواصم الأوروبية مع ما اتفقنا عليه بروح بنّاءة، وألا تعرقل التقدم عبر استفزازات أو مؤامرات خلف الكواليس ” .
كما شدد الرئيس الروسي على أن الحل المستدام للأزمة الأوكرانية ” يستلزم معالجة أسبابها الجذرية ” ، موضحا أن توسع الناتو نحو حدود بلاده وسعي أوكرانيا للانضمام إليه يمثلان ” تهديدا وجوديا ” لموسكو. وأضاف: ” المخاوف المشروعة لروسيا يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ويُعاد إرساء توازن عادل للأمن في أوروبا والعالم ” .
وفي إشارة إلى رغبة في فتح آفاق جديدة، قال بوتين إن ما تم التوصل إليه ” قد يكون منطلقا ليس فقط لحل الملف الأوكراني، بل لإحياء العلاقات التجارية والبراغماتية بين روسيا والولايات المتحدة ” . كما شدد على أن التعاون الاقتصادي بين روسيا وأوكرانيا «يحمل إمكانات هائلة ” .
وانتهى اللقاء برسائل ودية متبادلة ، إذ قال ترامب: ” سنلتقي على الأرجح قريبا جدا. شكرا جزيلا، فلاديمير ” . فرد بوتين: ” المرة القادمة في موسكو ” . ليجيب ترامب بابتسامة: ” أوه، هذا مثير للاهتمام. سأتعرض لبعض الانتقادات، لكن ذلك قد يحدث. شكراً جزيلاً، فلاديمير ” .
ورغم اللغة الإيجابية والمجاملات التي طغت على المؤتمر الصحفي، فإن اللقاء لم يتجاوز دائرة العموميات، وغابت عنه أي مؤشرات عملية على إنهاء الحرب. الأهم أن ترامب لم يتمكن من انتزاع وقف لإطلاق النار، ما يوضح أن موسكو لا تزال متمسكة بمواقفها الصلبة، وتوظف التفاوض لإعادة صياغة قواعد اللعبة مع الغرب. وفي المقابل، بدا ترامب حريصاً على الظهور كوسيط يسعى للسلام، من دون تقديم التزامات عملية، في محاولة لتعزيز صورته داخلياً وخارجياً.
وبذلك، يظهر أن اللقاء كان في جوهره رسالة سياسية أكثر منه خطوة ملموسة نحو السلام، لتظل الطريق إلى التهدئة في أوكرانيا طويلة ومعقدة.


