بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد كرة القدم ، في تجارب الدول التي تدرك ثقلها الرمزي ، مجرد لعبة تُحسم نتائجها داخل حدود المستطيل الأخضر، بل أضحت أداة من أدوات التعبير الثقافي ، ولغة ناعمة لصياغة الصورة الجماعية ، ووسيلة لإعادة تعريف الذات في أعين الآخرين.
في هذا الإطار، نجح المغرب ، من خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم ، في تحويل الحدث الرياضي إلى لحظة ثقافية وإنسانية جامعة ، تجاوزت منطق التنافس إلى فضاء الاحتفال بالانتماء الإفريقي والتنوع الحضاري .
لم يكن الرهان المغربي محصورا في الجوانب التنظيمية أو التقنية للبطولة ، بل امتد ليشمل تقديم سردية متكاملة عن بلد يعي أن كرة القدم لا تنفصل عن محيطها الرمزي والثقافي .
فالملاعب والمدرجات تحولت إلى منصات تعبير عن هوية ثرية متعددة الأبعاد ، تُجسد مغربا متصالحا مع روافده العربية والأمازيغية والإفريقية والمتوسطية ، وقادرا على مخاطبة القارة والعالم بلغة الفن والفرح والضيافة .
تميّزت هذه الدورة بكونها جزءا من سياق ثقافي أشمل ، لا حدثا معزولا عن محيطه.
كانت الكرة مدخلا ، لكن الرسالة أوسع وأعمق : مغرب يدرك أن قوته الناعمة تكمن في تعدده ، وفي قدرته على تحويل الاختلاف اللغوي والثقافي إلى عنصر غنى وإشعاع ، لا إلى عامل تباين أو انقسام .
هكذا، غدت البطولة مرآة لهوية واثقة من ذاتها ، ومنفتحة على محيطها الإفريقي دون مركّبات أو ادعاء.
برزت الموسيقى كأحد أكثر تجليات هذا الوعي الثقافي وضوحا . فقد تنوعت الإيقاعات والأنماط ، من أعمال ذات أفق عالمي تخاطب جمهورا قاريا ودوليا ، إلى أغانٍ تستحضر الوجدان المغربي المشترك ، وصولا إلى تعبيرات شبابية تنتمي إلى ثقافة المدن وإلى حساسية الجيل الجديد .
لم تكن هذه الموسيقى مجرد خلفية احتفالية للمباريات ، بل خطابا ثقافيا قائما بذاته ، يعكس قدرة المغرب على الجمع بين المحلي والقاري ، والتقليدي والمعاصر ، دون تنافر أو تصنّع .
أدّت الأغنية ، كما المباراة ، وظيفة رمزية عميقة : تقديم إفريقيا بوصفها فسيفساء ثقافية نابضة ، لا كتلة متجانسة جامدة .
ومن خلال هذا التعدد ، بدا المغرب فضاء يلتقي فيه الإيقاع الإفريقي مع تنوع اللغات واللهجات والأنماط الفنية ، في حوار مفتوح بين شعوب القارة ، تتقاطع فيه التجارب وتتقاسم الفرح ذاته.
إلى جانب البعد الفني ، حضرت الحرف والصناعات التقليدية كعنصر مركزي في المشهد العام للبطولة.
فقد تحولت مناطق المشجعين في مدن مغربية عدة إلى فضاءات ثقافية مفتوحة ، خرجت فيها الحرفة من إطار العرض الجامد إلى تجربة معيشة .
لم يعد الزائر للمغرب يكتفي بمشاهدة المنتوج ، بل صار يلتقي بالصانع ، ويصغي إلى الحكاية التي تحملها القطعة ، ويتعرف على تنوع التعبيرات الجمالية المغربية والإفريقية.
هذا الحضور اللافت للصناعة التقليدية لم يكن استعادة نوستالجية للماضي ، بقدر ما كان تأكيدا على حيوية الثقافة وقدرتها على الاستمرار والتجدد .
كما أن مشاركة حرفيين من بلدان إفريقية مختلفة منحت للبطولة بعدا قاريا حقيقيا ، وحولت الفضاءات المحيطة بالملاعب إلى ساحات تلاقٍ ثقافي ، تتجاور فيها الألوان والمواد والرموز دون حواجز.
في تفاصيل تبدو بسيطة ، لكنها مشحونة بالدلالة ، برز الشاي المغربي كطقس ثقافي يحمل معنى الضيافة والتشارك .
حضوره في فضاءات التشجيع لم يكن مجرد مشروب ، بل تعبيرا عن فلسفة استقبال تقوم على فتح المكان للآخر، وإدماجه في التجربة ، وجعله شريكا في لحظة الفرح الجماعي.
بهذا المعنى، كشفت كأس إفريقيا للأمم في المغرب أن كرة القدم يمكن أن تكون أكثر من منافسة رياضية ، حين تُدار برؤية ثقافية واعية .
لقد قدّم المغرب نموذجاً لبلد يجعل من التنوع قوة ناعمة ، ومن الانفتاح على إفريقيا خيارا ثقافيا وإنسانيا راسخا ، لا مجرد انتماء جغرافي عابر .



