تونس 15°C

19 فيفري 2026

تونس 38°C

19 فيفري 2026

الدبلوماسية القطرية 2025: الوساطة كأداة للسلام.

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الدبلوماسية القطرية مجرد أدوات بروتوكولية أو ردود فعل على أزمات عابرة، بل هي استراتيجية متكاملة نشأت من قناعة راسخة بأن النفوذ العالمي لا يُقاس بالقوة العسكرية فقط، بل بالقدرة على نزع فتيل الأزمات وبناء الثقة في اللحظات الحرجة. منذ سنوات، جعلت قطر من الوساطة والحوار ركيزة أساسية لسياستها الخارجية، لا كأداة مؤقتة، بل كجزء من هويتها السياسية والأخلاقية التي ترى في السلم الدولي مسؤولية وطنية ودولية.

في ظل تصاعد الشكوك وانعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة في العالم تمكنت قطر من ترسيخ مكانتها كوسيط موثوق يحظى بقبول جميع الأطراف، ليس لأنها الأقوى، بل لأنها الأقل انحيازاً لحسابات الهيمنة والاستقطاب. هذا التجرّد من المصالح المباشرة منحها هامش حركة نادرًا ما يُتاح، وساعدها على التحدث إلى الجميع وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أوقات التوتر الشديد. هنا تتجلى إحدى أدوات القوة الناعمة القطرية الأساسية: القدرة على الإصغاء وإدارة الخلافات دون فرض حلول جاهزة.

وقد جنت قطر ثمرة العديد من الوساطات في سنة 2025، والتي أظهرت فاعليتها على الصعيدين الإقليمي والدولي. فقد لعبت دورًا محوريًا في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 2025، بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة، ما أتاح تبادل الأسرى وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية للمتضررين. كما نجحت في لم شمل الأطفال الأوكرانيين مع ذويهم، ما يعكس التزامها بالجانب الإنساني في النزاعات. وفي القارة الإفريقية، استضافت الدوحة توقيع اتفاق الإطار للسلام بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو “حركة 23 مارس”، لتأسيس قاعدة للسلام المستدام في شرق الكونغو.

وعلى الصعيد الحدودي، تدخلت قطر بين باكستان وأفغانستان بعد أعنف الاشتباكات على الحدود منذ سيطرة حركة طالبان على السلطة، وأفضت جهودها إلى إعلان هدنة ووقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. كما شهدت الدبلوماسية القطرية اختراقًا جديدًا في كولومبيا، حيث أصدرت مجموعة الدول الوسيطة، بمشاركة قطر، بيانًا مشتركًا أسفر عن توقيع “اتفاق الدوحة لترسيخ الالتزام بالسلام” مع جماعة EGC، لنزع السلاح وبناء السلام في مناطق النزاع.

ما يميز التجربة القطرية هو تحويل الوساطة من مبادرات ظرفية إلى سياسة مؤسسية واضحة، تأطّر داخل وزارة الخارجية وبُنيت على خبرة دبلوماسية متراكمة وشراكات دولية. وقد ساعد ذلك قطر على الحفاظ على استمرار المبادرات ومرونتها في التعامل مع النزاعات المعقدة، وتعزيز قدرة الدولة على تقديم مقترحات الحلول دون افتراضات مسبقة أو تحيّز لأي طرف.

إلى جانب جهود الوساطة العملية، استثمرت قطر منصات الحوار الدولي لتعزيز صناعة الحلول الوقائية، من خلال مؤتمرات ومنتديات كبرى مثل مؤتمر القمة العالمية الثاني للتنمية الاجتماعية و”منتدى الدوحة”، حيث جمعت صناع القرار والخبراء لتبادل الأفكار ووضع توصيات عملية لتفادي النزاعات وخفض مستويات التصعيد. هذه الفضاءات ليست مكمّلة فقط، بل جزء من قوتها الناعمة، حيث تُصاغ السياسات قبل أن تُدار الأزمات، وتُبنى التفاهمات قبل أن تتصلب الخلافات.

هكذا، تظهر الدبلوماسية القطرية في 2025 كنموذج مختلف لإدارة النفوذ: نموذج لا يعتمد على القوة الصلبة بقدر ما يستثمر الثقة والشفافية، ويحوّل الوساطة الإنسانية والسياسية إلى أداة فعالة لتعزيز السلام والاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي.
في زمن تتراجع فيه لغة الحوار لصالح الصراع، تُثبت قطر أن النجاح لا يُقاس بالقوة وحدها، بل بمن يمتلك القدرة على تحويل التوتر والخلاف إلى جسور من الثقة، والألم إلى فرصة للأمل .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية