بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
ليس كل ما يلمع في صفحات التاريخ قوة ، ولا كل ما يستمر زمنا طويلا حقّا.
فكم من سلطة بدت راسخة ، وكم من دولة ظنّ أهلها أنها باقية ، ثم تهاوت كأن لم تكن. تلك هي سنّة التاريخ التي لخّصها المعنى العميق لقوله تعالى : “ كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار ” ، صورة تختزل مصير كل باطل مهما اشتدّ عوده في الظاهر.
لقد عرفت بلاد إفريقية (تونس) في مرحلة من تاريخها حكم الدولة الفاطمية التي أسسها عبيد الله المهدي ، وهي مرحلة لم تكن مجرد امتداد سياسي، بل كانت زمن صراع عقدي وفكري محتدم.
وفي خضم هذا الصراع، تروي بعض المصادر التاريخية، ومنها ما أورده الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء وقائع مؤلمة عن محن تعرّض لها علماء وعبّاد ، رفضوا التنازل عن قناعاتهم، فاختاروا الثبات على ما يرونه حقًا رغم الإكراه.
إن الذين قتلهم عُبيد الله وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالمٍ وعابدٍ ليردّهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت
ودفن سائرهم في المنستير.
ثم زالت دولتهم بعدما استمرت 262 عاما وأراح الله منهم البلاد والعباد.
هذه الروايات، بما تحمله من قسوة، تعبّر عن طبيعة تلك المرحلة التي اختلط فيها الدين بالسلطة، وغلب فيها منطق الإكراه على الحوار. وهي ليست استثناءً في تاريخ الأمم، حيث كثيرًا ما تتحول السلطة حين تستبدّ إلى أداة لفرض الرأي، بدل أن تكون حاميةً للتعدد والاختلاف.
ومع ذلك، فإن الدرس الأعمق لا يكمن فقط في استحضار المأساة ، بل في فهم معناها : أن الباطل قد تكون له جولة ، وقد يفرض نفسه زمنًا، لكنه يظلّ فاقدًا لجذور البقاء.
فالتاريخ نفسه يشهد أن تلك الدولة، رغم امتدادها لقرون، انتهت وزالت، وبقيت آثارها مادة للدرس والعبرة.
وهنا يتجلى المعنى الآخر : “للحق دولة”. ليس بالضرورة أن يكون ذلك فوريًا أو سريعًا، بل قد يتأخر، وقد يمرّ عبر محنٍ قاسية، لكنه في النهاية يرسّخ نفسه لأنه يقوم على ما يستقرّ في ضمير الناس، لا على ما يُفرض عليهم بالقوة.
إن استحضار هذه الصفحات من التاريخ يجب أن يكون من باب العبرة لا إثارة الانقسام، ومن باب فهم سنن التحول لا إعادة إنتاج الصراع .
فالأمم التي تقرأ تاريخها بوعي، لا لتغذية الخصومة بل لاستخلاص الدروس، هي وحدها القادرة على بناء مستقبلٍ أكثر توازنًا.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح : لا دوام لقوة بلا عدل، ولا بقاء لسلطة بلا جذور. قد يعلو الباطل، وقد يشتدّ صخبه، لكنه يظلّ عابرًا… أما ما يُبنى على الحق، فربما يتأخر، لكنه لا يسقط .



