بقلم : أ – حذامـي محجـوب ( رئيس التحرير ) .
لم يعد الإعلام مجرّد مرآة تعكس الواقع، بل بات ساحة معارك ناعمة تُخاض فيها الحروب بسرديات مصمّمة وصور مُعدّلة، لتُعاد صياغة وعي المجتمعات بما يتماشى مع أجندات خفية.
وسط الاضطرابات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط وخارجه، يبرز التضليل الإعلامي كواحد من أخطر أدوات الصراع غير المباشر، لا يُطلق رصاصا ، لكنه يُخلّف جراحا عميقة في الوعي الجمعي، مُستغلا هشاشة البنية المعلوماتية والانقسام المجتمعي، ومُستفيدا من سرعة التداول الرقمي الخالي من التحقق والتدقيق.
لم يعد مستغربا أن تنتشر في دقائق صور أو مقاطع تُنسب إلى أحداث عنف، أو كوارث، أو احتجاجات، ليتبيّن لاحقا أنها قديمة أو مأخوذة من سياقات مختلفة. لكنّ أثرها يكون قد تحقق بالفعل : تعبئة الانفعالات، تأجيج التوترات، وربما إشعال الفتن.
المثال الأبرز يتجلّى اليوم في تصوير مصر كطرف معرقل أو متخاذل تجاه القضية الفلسطينية ، انه انقلاب على الحقيقة، ويخدم في جوهره أجندات معروفة تسعى إلى ضرب دور مصر الإقليمي وتشويه صورتها في وعي الشعوب. هذا النوع من الخطاب، المتداول بكثافة على منصات التواصل، لا يستند إلى معلومات موثّقة أو قراءة واقعية للوقائع الميدانية، بل يعتمد أسلوب الإثارة والتجييش العاطفي لتأليب الرأي العام، متغاضيًا عن دور الاحتلال الإسرائيلي، وعن تعقيدات الوضع الجيوسياسي والمعابر والحدود والاشتراطات الدولية.
هكذا تُختزل المأساة في اتهام باطل، يراد منه تشكيل وعي الجماهير وفق سردية زائفة . إنه تضليل لا يخدم إلا مشروعًا يريد تفكيك المواقف، وزرع الفتنة، وتمييع القضايا الحقيقية، هذا يذكرنا بما وقع في السودان خلال عام 2023، حين غزت المنصات صور لجثث وأعمال عنف قيل إنها من الخرطوم، بينما كانت في الواقع عائدة لمناطق أفريقية أخرى أو لفترات زمنية سابقة.
ورغم انكشاف زيفها لاحقا ، إلا أنها كانت قد أنجزت مهمتها بإثارة الغضب وتوجيه ردود فعل محلية ودولية.
تكرّر المشهد ذاته خلال احتجاجات إيران أواخر 2022، مع انتشار مقاطع لنساء يُعنّفن في الشارع، ليتضح لاحقا أن بعضها مُفبرك رقميا أو غير مرتبط بإيران من الأصل. ومع ذلك، ساهمت هذه المواد في خلق حالة شحن داخلي وخارجي، زادت من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي.
وفي الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022، امتلأ الفضاء الرقمي بمقاطع تُظهر تدمير دبابات أو عمليات مروعة نُسبت إلى أحد الطرفين، ثم تبيّن أن كثيرا منها مُنتَج بواسطة برامج محاكاة أو ألعاب فيديو، عُرضت وكأنها مشاهد حقيقية من أرض المعركة.
حتى في الديمقراطيات الكبرى، لم يكن التضليل غائبا ، فقد شهدت الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2020 حملة ضخمة من الأخبار المفبركة والمقاطع المقتطعة من سياقها، أثّرت على المزاج العام، وعمّقت الانقسام السياسي، وكانت من العوامل التي قادت إلى مشهد اقتحام الكونغرس في سابقة خطيرة.
هذا النمط من التضليل ليس عشوائيا ، بل يُدار بدقة، ويستند إلى تقنيات متقدمة، أبرزها الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake)، ويُضخّ عبر منصات رقمية ضخمة أصبحت المصدر الأول للمعلومة لملايين المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه محكومة بخوارزميات تتحكم في ما يُعرض، وما يُخفى، وما يُعاد تشكيله.
تكمن الخطورة الأكبر في أن هذه المنصات الرقمية تتصرف ككيانات عابرة للحدود، تمتلك البيانات، وتعيد فرزها، وتصنع محتوى موجها يلامس العواطف والانفعالات، لتنتج مواقف واصطفافات، وتعيد تشكيل الإدراك العام لما يحدث في العالم.
ومع التكرار، يفقد الناس ثقتهم بالحقيقة، وتختلط الوقائع بالزيف، ويغدو المواطن أسير محتوى محكم الصياغة، يبدو حقيقيا ، لكنه مبرمج لخدمة أهداف محددة.
وفي هذا المناخ، تصاب المؤسسات بالتشويش، وتُفقد الرواية الرسمية صدقيتها، ويُفرغ الحوار العام من معناه . لا يعود التضليل مجرد خلل إعلامي، بل يتحول إلى أداة استراتيجية تُستخدم لتأجيج الصراعات، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وحتى لإفساد العلاقات بين الدول، عبر فبركة تصريحات أو تحميل جهات مسؤوليات لا علاقة لها بالواقع.
لمواجهة هذا الواقع الخطير، تصبح مقاومة التضليل الإعلامي مسؤولية وطنية وأمنية وأخلاقية. وهي لا تقتصر على وسائل الإعلام التقليدية فحسب، بل تشمل أنظمة التعليم، وسياسات الإعلام، وقوانين التشريع الرقمي.
تبدأ المواجهة بالاعتراف بأننا في قلب معركة سرديات، وأن الحقيقة وحدها لم تعد تكفي، ما لم تُقدّم بحنكة ووعي وجاذبية.
لا سبيل للخروج من هذا المتاهة المعلوماتية إلا بإعادة تنظيم علاقتنا بالمنصات الرقمية، وفرض ضوابط لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتحصين المجتمعات ضد المحتوى المزيّف. فالتضليل لم يعد ظاهرة هامشية، بل مشروعا متكاملا لإعادة تشكيل العالم… من خلف الشاشات .

