تونس 34°C

24 جوان 2026

تونس 38°C

24 جوان 2026

الإمارات ومطلب النهاية : لا مكان لتهديد دائم في شرق أوسط جديد .

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

في تاريخ الأمم، ليست الحروب وحدها هي الكارثة التي تفتك بالشعوب وتستنزف طاقاتها . فهناك حالة أشد قسوة وأطول أثرا ، هي حالة “ اللا حرب واللا سلم ”، تلك المنطقة الرمادية التي تتآكل فيها الاقتصادات ، وتتراجع فيها فرص التنمية ، وتعيش فيها الشعوب تحت وطأة القلق الدائم والترقب المستمر .
وهذه هي بالضبط الحالة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود في ظل الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران . فلا مواجهة نهائية تحسم أسباب التوتر ، ولا تسوية شاملة تفتح أبواب الاستقرار .
وبين هذا وذاك ، دفعت دول المنطقة أثمانا باهظة من أمنها واستثماراتها وفرص نموها ، بينما ظلت شعوبها رهينة أزمات متكررة لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد.
لقد بات واضحا أن طهران تريد اتفاقا يخفف عنها الضغوط الاقتصادية الخانقة التي أنهكت الداخل الإيراني وأثرت في حياة عشرات ملايين المواطنين . لكنها في الوقت ذاته تخشى أن يبدو هذا الاتفاق وكأنه تراجع سياسي وأيديولوجي أمام جمهور تمّت تعبئته لعقود طويلة على خطاب المواجهة والصراع مع “ الشيطان الأكبر ” ( امريكا ) .
ولذلك تحاول القيادة الإيرانية السير على حبل دقيق بين الحاجة إلى التسوية والخوف من الاعتراف بضرورتها .
وفي سبيل تحسين شروط التفاوض ، تواصل إيران استخدام أوراق الضغط التقليدية نفسها . فهي تعود كل مرة إلى التلويح بمضيق هرمز ، وتفتعل المبررات القانونية والسياسية ، وتلوّح بإمكانية تهديد الملاحة الدولية أو المنشآت الحيوية في الخليج .
كما تتمسك بأذرعها السياسية والعسكرية في لبنان والعراق واليمن و غيرها من مناطق عربية اخرى ، باعتبارها أدوات نفوذ إقليمي تمنحها القدرة على التأثير والضغط والمساومة .
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو : إلى متى تبقى المنطقة أسيرة هذه الدائرة المغلقة؟ .
إلى متى تبقى شعوب الخليج والعالم العربي مطالبة بدفع ثمن مشروع توسعي قائم على تصدير الأزمات وإدارة التوترات وإبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم ؟ .
من هنا تكتسب الرؤية الإماراتية أهميتها وعمقها الاستراتيجي .
فأبوظبي لا تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية ردود الفعل المؤقتة أو الحسابات الآنية ، بل من منظور مستقبل المنطقة بأكملها .
وهي تدرك أن التنمية لا تزدهر في بيئة مهددة ، وأن الاستثمارات لا تتدفق إلى مناطق تعيش على إيقاع الأزمات ، وأن الأجيال الجديدة تستحق مستقبلاً أكثر استقرارا من ذلك الذي فرضته عقود الصراعات الإقليمية.
إن إصرار الإمارات على ضرورة الوصول إلى معالجة نهائية لهذا الخطر المزمن لا ينطلق من رغبة في التصعيد أو البحث عن المواجهة ، بل من قناعة راسخة بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر تأجيل الأزمات ، وإنما عبر معالجة جذورها وإنهاء مصادر التهديد المستمرة . فالعالم يتغير بسرعة ، والمنطقة تحتاج إلى أن تتفرغ للتنمية والابتكار وبناء الاقتصادات الحديثة ، لا أن تبقى رهينة مشاريع النفوذ والصراعات بالوكالة .
لقد اختارت الإمارات منذ سنوات أن تستثمر في الإنسان والعلم والاقتصاد والتكنولوجيا ، وأن تجعل من الاستقرار قاعدة للتقدم .
ولذلك فهي تدرك أكثر من غيرها أن أكبر عدو للتنمية ليس الحرب فقط ، بل استمرار التهديد بالحرب .
فالمستثمر يخشى عدم اليقين ، والمجتمعات تخشى الفوضى ، والدول لا تستطيع بناء مستقبلها في ظل أزمات لا تنتهي .
لهذا يبدو الموقف الإماراتي الحكيم اليوم تعبيرا عن رؤية عقلانية ومسؤولة تجاه مستقبل المنطقة .
رؤية تقول إن الوقت قد حان لإغلاق ملف التهديدات المستمرة ، وإنهاء مرحلة العربدة السياسية والعسكرية التي عطلت طموحات الشعوب العربية لعقود طويلة ، وفتح صفحة جديدة يكون عنوانها التنمية بدل التوتر ، والتعاون بدل الصراع ، والأمل بدل الخوف .
فالشعوب لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات ، بل إلى الأمن والاستقرار والازدهار. وهذه هي الرسالة التي ترفعها الإمارات اليوم بثقة وحكمة : لا سلام حقيقيا مع بقاء مصادر التهديد ، ولا نهضة مستدامة في ظل أزمات مفتوحة بلا نهاية .
.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية