بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن الاقتراب من محيط معالم كبرى في مدينة دبي ، من برجها الشامخ إلى شريان نخلة جميرا ، مجرد حادث أمني عابر، و لا رسالة قوة معزولة.
فحين تُمسّ رموز تختصر سردية مدينة صعدت من الصحراء إلى العالمية ، يصبح الهدف الحقيقي هو الفكرة التي صنعت هذا التحول : فكرة أن المستقبل يمكن أن يُبنى بعيدًا عن ضجيج الأيديولوجيا وبمعزل عن صراعات الخراب.
الإمارات لم تُشيد تجربتها على ارتفاعاتها العمرانية فحسب، بل على فلسفة واضحة، متماسكة، صاغت معنى جديدا للهوية الوطنية: الانفتاح باعتباره مصدر قوة ، والتنوع باعتباره ثروة ، لا تهديدا .
على أرضها تتعايش عشرات الثقافات، وتُمارس الديانات المختلفة شعائرها بحرية ومسؤولية، في إطار قانوني جعل من الاختلاف رصيدًا، لا قيدا.
من هنا وُلد مركز عالمي للأعمال، ومختبر حيّ للسياحة والابتكار، ونموذج اجتماعي يرى أن الاستقرار الحقيقي هو إدارة التنوع ، لا إلغاؤه.
في الجهة المقابلة، تشق إيران مسارا مختلفا منذ 1979، مسارًا يقوم على أيديولوجيا شمولية تنصهر فيها السلطة والعقيدة ، وتتوسع خارجيا عبر وكلاء وأذرع وصراعات مفتوحة.
وبين مشروع يبني قوته من التنمية، وآخر يبني نفوذه من الفوضى، تتكشف الهوة العميقة بين رؤيتين للعالم … وللقوة نفسها.
من هذا المنظور، يصبح استهداف الأيقونات العمرانية محاولة للتشويش على الصورة التي نجحت الإمارات في ترسيخها : دولة آمنة ، مستقرة ، متصالحة مع مستقبلها، تستثمر في اسعاد مواطنيها ومقيميها ،واثقة في مشروعها.
لكن تلك الصورة ليست ورقية ولا قابلة للكسر .
فقد اجتازت دبي اختبارات قاسية ، من جائحة ” كوفيد-19 ” التي شلّت العالم إلى فيضانات أبريل 2024 التي باغتت المدن، ومع ذلك استعادت إيقاعها بسرعة، وعدّلت بنيتها التحتية بمرونة دولة تعرف كيف تتعلم من الأزمات لا كيف ترضخ لها .
والأهم أن الإمارات ليست مجرد ” نموذج جاذب ” ، بل دولة صارمة في حماية سيادتها. فهی تمتلك منظومات دفاعية متقدمة نجحت في اعتراض الأخطار وتقليص الأضرار، كما تحركت دبلوماسيا بثبات : استدعاء رسمي للسفير الإيراني، واستدعاء سفيرها و بعثتها من طهران … رسائل واضحة بأن الانفتاح لا يعني التنازل ، وأن السيادة ليست مجالًا للمساومة.
هنا تتجلى قوة الإمارات في معادلتها المتفردة: مزج القوة الصلبة بالقوة الناعمة، ومقاومة التهديدات العسكرية بقدرات ميدانية، ومقاومة محاولات الترهيب بالمضيّ في نموذجها المنفتح والمتعدد.
قد تُستهدف الرموز، لكن الفكرة التي تحملها ، فكرة الاستقرار والتنمية ، تبقى أصلب من أي صاروخ.
ولعل أكثر المشاهد تعبيرًا ليس في بيان رسمي ولا في صدى صفارات الإنذار، بل في لقطة يومية هادئة: رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان يسير بين الناس في مركز تجاري ، ببساطة وطمأنينة ، كأن شيئًا لم يحدث.
في مثل هذه التفاصيل الصغيرة تُكتب الرسائل الكبرى : أن حياة الدولة مستمرة، وأن مشروع البناء أكبر من كل محاولات الإرباك، وأن ثبات الناس هو الجواب الحقيقي على كل تهديد.
الإمارات تُستهدف ، نعم . لكن النموذج ، ما يزال قائمًا ، يتقدّم، ويفشل معه كل رهان على كسر فكرة ولدت لتبقى و تعيش .


