تونس 25°C

19 فيفري 2026

تونس 38°C

19 فيفري 2026

إيران بين شماعة المؤامرة وارتجاج الداخل : حين يتحوّل القمع إلى عقيدة حكم !.

بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

كلما ارتجّت الأرض تحت أقدام السلطة في إيران ، عادت الحكاية نفسها لتُروى بصيغة واحدة لا تتغيّر: الغضب ليس ابن الداخل ، والاحتجاج ليس صدى أزمة متراكمة ، بل ” فتنة ” مصنَّعة في غرف الخارج ، ومؤامرة تستهدف وجود الدولة لا سياساتها .
في هذا السياق يندرج خطاب المرشد علي خامنئي الأخير، الذي لم يتعامل مع ما يجري بوصفه انفجارا اجتماعيا طبيعيا ، بل كعدوان منظّم يستدعي الردّ لا المراجعة ، والحسم لا الإصغاء .
غير أنّ هذا الخطاب ، الذي شكّل لعقود صمّام أمان للسلطة في إدارة الأزمات ، يبدو اليوم أكثر حدّة وأقل قدرة على احتواء الوقائع .
فالدولة التي تُقرّ ولو لفظيا ، بوجود ضيق اقتصادي ومعاناة معيشية ، تسارع في الوقت ذاته إلى التلويح بالمحاكمات العاجلة والعقوبات القاسية .
اعتراف بلا مضمون ، وإقرار بلا مسؤولية ، ومعالجة أمنية تقدّم باعتبارها البديل الوحيد عن السياسة ، في تناقض يكشف عمق الأزمة لا سطحها .
في المقابل، لا يمكن فصل الداخل الإيراني عن ضجيج الخارج ، خصوصا مع عودة دونالد ترمب إلى واجهة التصعيد الكلامي .
انّ دعمه العلني للمتظاهرين ، مهما كان محكوما بالاستعراض الشعبوي ، يمنح السلطة الإيرانية الذريعة المثالية لإغلاق أي نقاش داخلي .
هكذا يُنقل الاحتجاج من خانة المطلب الاجتماعي إلى ملف ” الأمن القومي ” ، ويعاد تعريف المواطن الغاضب بوصفه ” مشروع عميل ” ، فتُفرغ المطالب من بعدها السياسي والإنساني، ويُعاد إنتاجها كتهديد سيادي.
لكن الفجوة تتّسع بين خطاب السيطرة و وقائع القمع .
فاستمرار حجب الإنترنت ، والانتشار الأمني الكثيف ، والارتباك في الأرقام المتعلقة بالضحايا والموقوفين كلها شواهد على هشاشة ” الهدوء ” المعلن. الدولة التي تؤكد انتهاء الاحتجاجات ، تتصرّف كأنها ما تزال تخوض معركة وجود ، وهو تناقض لا يعكس ثقة في الاستقرار بقدر ما يكشف خوفا عميقا من عودة الغضب في أي لحظة .
الأخطر من ذلك هو اللجوء المتكرر إلى ملف الأقليات ، وتفعيل تهم ” التجسس ” و ” التخريب ” في لحظات التوتر، وهي أدوات مألوفة لدى الأنظمة التي تواجه أزمة شرعية .
قد تنجح هذه المقاربة في شدّ العصب مؤقتا ، لكنها تزرع بذور انقسام مجتمعي أعمق ، وتدفع نحو عزلة سياسية أكبر ، من دون أن تمسّ جوهر الأزمة أو تقترب من حلولها .
إيران اليوم لا تقف أمام مؤامرة بقدر ما تواجه سؤالًا داخليا مؤجّلا : كيف يمكن حكم مجتمع شاب ، متعلّم ، ومثقل بالأزمات، بمنطق أمني صرف ؟ القمع قد يفرض الصمت ، لكنه لا يصنع استقرارا ، ولا يوقف الزمن .
ما يحدث ليس نهاية الاحتجاج ، بل محطة جديدة في أزمة مفتوحة ، يُدار فيها الغضب بالقوة بدل السياسة ، وتُؤجّل فيها الأسئلة الكبرى بدل الإجابة عنها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية