تونس 13°C

15 مارس 2026

تونس 38°C

15 مارس 2026

حين يفقد الفن براءته : هند صبري ومعركة الرمزية والهوية !.

بقلم: أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

بداية القول ، في الظاهر، تبدو الحكاية بسيطة : خلاف مهني داخل عمل درامي ، تباين في الرؤى، تصريحات متبادلة، ثم عاصفة تفاعل رقمي تتحوّل إلى “ ترند ” عابر .
مشهد مألوف في زمن تُستهلك فيه الاحداث و الوقائع أسرع مما تُفهَم .
لولا أنّ الأمر تجاوز حدّ الخلاف الفني ، لمرّ كما مرّت غيره من الخلافات العابرة .
لكن ما حدث مع هند صبري لم يكن عابرا ، ولا مجرد نقاش حول أداء أو إدارة عمل فني . لقد تحوّل، منذ لحظته الأولى ، إلى اختبار يكشف طبيعة المجال العام ، وحدود الاعتراف ، وشروط الشرعية غير المعلنة .
الخلاف في أصله مهنيّ : حدود تدخل الممثل ، احترام بنية النص ، وتوازن السلطة داخل الفضاء الإبداعي .
غير أن هذا النقاش لم يُسمح له بأن يبقى مهنيا . سرعان ما جرى انتزاعه من سياقه الطبيعي ، وإعادة تأطيره داخل سردية أوسع تبحث لا عن فهم الواقعة ، بل عن تصنيف صاحبتها .
المنعطف الأكثر دلالة كان استحضار تصريحات قديمة لهند صبري عبّرت فيها عن اعتزازها بهويتها التونسية .
تصريحات طبيعية ، لم تُثر أي جدل حين قيلت ، لكنها استُخدمت فجأة كقرينة على “ اختيار هوية ” على حساب أخرى ، وكأن الانتماء معادلة صفرية : إمّا أن تكون لنا بالكامل ، أو لست منّا إطلاقا .
فلا مكان للهوية المركّبة ، ولا للتجارب العابرة للحدود .
هكذا انتقل السؤال من: ماذا حدث تحديدا داخل هذا العمل ؟.
إلى : إلى أي “ نحن ” تنتمي هذه الفنانة ؟ .
ثم إلى السؤال الأكثر حدّة : هل يحق لها أن تجسّد رموزا من الذاكرة الجمعية؟
في ذروة هذا الجدل ، طُرح السؤال الذي لم يكن مطروحا أصلا قبل اليوم:
هل تملك هند صبري “ حق” تمثيل شخصية بحجم كليوباترا، بكل رمزيتها في المخيال المصري؟ .
هنا فقد الجدل صبغته الفنية نهائيا .
لم يُناقَش الأداء ، ولا الموهبة ، ولا الاشتغال على الشخصية .
لقد تحوّل الأمر إلى نقاش حول حق الجماعة في احتكار الرمز . وكأن كليوباترا لم تعد شخصية تاريخية مفتوحة على التأويل والإبداع ، بل ملكية مغلقة لا يقترب منها إلا من يُطابق شروط الانتماء “ النقي ”.
في تلك اللحظة، لم يعد التمثيل ممارسة فنية، بل امتحان سيادة.
السؤال لم يعد : هل تستطيع؟
بل : هل يُسمح لها؟
والمفارقة أنّ هند صبري ليست فنانة دخيلة ولا اسما عابرا . إنها واحدة من أكثر الوجوه العربية رسوخا ، وعمقا، وحضورا .
اعتراف نقدي وجماهيري واسع، مسيرة ممتدة، ونجاح غير قابل للشك.
ومع ذلك، بدا هذا الاعتراف نفسه هشّا ، مشروطا بسقف غير مرئي:
لكِ أن تتألقي ما شئتِ ، لكن دون أن تربكي صورة الانتماء المريح .
دون أن تُظهري صوتا مستقلا أو هوية لا تنسجم مع قواعد الهوية الأحادية .
وسائل التواصل، بطبيعتها الافتراسية، لعبت دور المسرّع .
فهي لا تحتمل التعقيد ، ولا تعترف بالمساحات الرمادية. كل ما لا يُختزل في ثنائية بسيطة يُعاد تبسيطه قسراً أو يُزَجّ في خانة الشبهة. وهكذا تحوّل الخلاف المهني إلى صراع رمزي ، ليس بين فنانتين، بل بين “نحن” متخيلة و“هي” جرى عزلها ببطء ولكن بثبات.
الرسالة التي سرت من تحت الجلد كانت واضحة : الاعتراف ليس حقا ثابتا ، بل امتيازا قابلا للسحب .
النجومية لا تمنح حرية كاملة ، بل حرية قابلة للقياس.
والنجاح لا يحمي صاحبه إذا تجاوز الخطوط التي لم يرسمها أحد ، ولكن يراقب الجميع من يقترب منها.
لذلك، لا تكمن أهمية ما جرى في شخص هند صبري وحدها ، بل في النموذج الذي كشفه .
نموذج مجال عام يضيق كلما ظهرت هوية متعددة ، ويتنفس فقط حين تُختزل الذوات في تعريف واحد يسهل ضبطه.
المجتمعات التي تُدار بمنطق السقف لا تجرّم الخطأ، بل تجرّم الاختلاف.
ومن لا يشبه القالب الجاهز للانتماء، يُعاد تصنيفه كعبء رمزي مهما بلغ من نجاح.
إن الدفاع الحقيقي هنا ليس عن فنانة بعينها ، بل عن فكرة أوسع : أن يبقى الفن فضاءً للتخييل، لا محكمة هوية.
وأن تظلّ الهوية مركّبة ، متعدّدة، قابلة للنمو… لا امتيازا يُمنح بشرط الصمت.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية