تونس 18°C

11 فيفري 2026

تونس 38°C

11 فيفري 2026

الشرع في الأمم المتحدة : سوريا بين استعادة الشرعية ورهانات الاستقرار.


بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
شهدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثا استثنائيا في 24 سبتمبر 2025، مع صعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى منبر المنظمة الدولية، في أول خطاب لرئيس سوري أمام الأمم المتحدة منذ عام 1967.
لحظة تاريخية ترافقت مع هتافات ” الله أكبر ” التي صدحت في ساحة الأمويين بدمشق، حيث تابع مئات المواطنين ظهوره على شاشة عملاقة، كإعلان رمزي عن عودة سوريا إلى المسرح الدولي بعد عقود من العزلة التي فرضها حكم آل الأسد.
في خطابه، أكد الشرع أن سوريا ” تستعيد مكانتها بين الأمم ” مستحضرا ” درس التاريخ ” الذي جسده الشعب خلال أربعة عشر عاما من الحرب ضد النظام السابق، والتضحيات التي مهدت لانتصار الحقيقة على الاستبداد.
فقد كان سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024 بعد دخول الفصائل الإسلامية إلى دمشق نقطة مفصلية أعادت رسم معادلات السلطة، وفتحت أمام سوريا فرصة تاريخية للتحول من ” مصدّر للأزمات ” إلى ركيزة استقرار إقليمي.
لم يكن الخطاب مجرد لحظة بروتوكولية ، بل تجسيدا لمسار سياسي شخصي واستثنائي للرئيس الجديد.
فأحمد الشرع، الذي مرّ من سجون الاحتلال الأميركي في العراق عام 2005، إلى قيادة جبهة النصرة بعد الإفراج عنه عام 2009، ثم إلى انفصاله عن القاعدة عام 2016 تحت مسمى ” هيئة تحرير الشام ” ، يقدَّم اليوم بصفته زعيما شرعيا أمام العالم.
هذا التحول وصفه الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بتريوس بـ ” أحد أكثر التحولات السياسية إثارة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث ” ، معبرا عن إعجابه بالشرع رغم أنه كان خصمه في معركة الأمس .
ومما يعكس حجم الانعطاف أن واشنطن اضطرت لرفع قيود التأشيرات المفروضة على سوريا خلال عهد الأسد لتمكينه من المشاركة في الاجتماع الأممي.
الشرع استثمر وجوده في نيويورك لتكريس موقعه الدولي، فعقد لقاءات ثنائية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما اجتمع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، وبنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث أُعلنت عودة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وكييف، في قطيعة مع الدعم التقليدي لموسكو . زيلينسكي نفسه كان قد طالب الأمم المتحدة برفع العقوبات المفروضة على سوريا في عهد الأسد، وهو المطلب الذي تبناه الشرع، معتبرا أن العقوبات ” أداة لتقييد الشعب السوري ومصادرة حريته “، وداعيا إلى رفعها كليا، لا سيما ” قانون قيصر ” الذي لا يزال يتطلب تصويت الكونغرس الأميركي لإلغائه نهائيا.
هذا المطلب وجد صداه لدى شخصيات ديمقراطية نافذة مثل السيناتورة جين شاهين والنائب غريغوري ميكس، ما يعكس تحوّلا في الموقف الغربي من سوريا. وأكد مستشار الرئيس، أحمد زيدان، أن رفع العقوبات سيكون بوابة لإنعاش الاقتصاد وعودة اللاجئين ، مشيرا إلى أن مليون سوري عادوا منذ ديسمبر 2024، بينما لا يزال سبعة ملايين نازحين داخل البلاد وأكثر من 4,5 ملايين لاجئين في الخارج .
في خطابه، طرح الشرع رؤية لسياسة خارجية جديدة قائمة على ” صفر مشاكل ” ، ترتكز على الحوار مع الجوار الإقليمي، في تناقض كامل مع النهج الصدامي للنظام السابق. لكنه لم يتجاهل التهديد الإسرائيلي، داعيا المجتمع الدولي إلى الوقوف بجانب سوريا ضد الاعتداءات المتكررة.
فمنذ سقوط الأسد، كثّفت إسرائيل غاراتها على مواقع سورية، واستولت على منطقة عازلة جنوب البلاد، وتدخلت في الصراع مع محافظة السويداء.
وبينما يجري التفاوض مع تل أبيب حول اتفاق أمني بإشراف الأمم المتحدة، ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة العازلة والعودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، أكد الشرع أن هذا الاتفاق لا يشمل وضع الجولان المحتل منذ 1967، ولا ينفتح على ” اتفاقات أبراهام ” للتطبيع. وهو بذلك يوازن بين الاعتراف بالأمر الواقع والحفاظ على الثوابت الوطنية، في ظل حاجة ملحة لدعم إدارة ترامب التي تراهن على استقراره كزعيم شرعي.
وفي خطوة لافتة، قدّم الشرع اعتذارا علنيا عن الانتهاكات الطائفية التي استهدفت الأقليات الدرزية والعلوية خلال الحرب ، معلنا تشكيل لجان تقصي حقائق بالتعاون مع بعثات أممية، ومتعهدا بـ ” اجتثاث الطائفية ” وتقديم المتورطين في ” إراقة الدماء ” إلى العدالة. تعهدات طموحة تعكس محاولة لتجاوز ماضي الحرب الأهلية وإطلاق صفحة جديدة لسوريا ما بعد الأسد.
إن ظهور الشرع في الأمم المتحدة لم يكن مجرد لحظة رمزية، بل بداية اختبار سياسي ودبلوماسي عسير. فبينما يسعى لإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي في المجتمع الدولي، يواجه تحديات هائلة: من إعادة بناء اقتصاد مدمّر، إلى إدارة التوازنات مع القوى الكبرى، مرورا بملف اللاجئين، والعلاقات المتوترة مع إسرائيل، والانقسامات الداخلية في السويداء والمناطق الكردية.
لكن الأكيد أن ما حدث في نيويورك مثّل إعلان ولادة مرحلة جديدة لسوريا، مرحلة ما بعد الأسد، حيث تختبر دمشق قدرتها على التحول من دولة محاصرة ومعزولة إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله.
في هذه اللحظة، تبدو الأنظار معلّقة على قدرة الشرع على ترجمة وعوده إلى واقع، لتتحول كلماته من على منبر الأمم المتحدة إلى مشروع حقيقي لبناء دولة مستقرة وعادلة، تخرج أخيرا من رماد الحرب إلى أفق جديد.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية