بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في قلب مانهاتن ، لم يكن الأوّل من يناير مجرّد فصلٍ جديد في تقويم السلطة ، بل لحظة مشبعة بالمعنى ، أقرب إلى بيان سياسي منها إلى مراسم انتقال تقليدية.
زهران ممداني ، في الرابعة والثلاثين من عمره ، وقف ليؤدي اليمين عمدةً لمدينة لا تحب التكرار، ولا تؤمن بالصدف .
نيويورك، التي اعتادت أن تكون مختبر الأفكار قبل أن تصبح سياسات ، بدت وكأنها تطرح سؤالها الأزلي من جديد : إلى أي حد يمكن للسياسة أن تغيّر جلدها دون أن تفقد توازنها؟ .
منذ اللحظة الأولى ، بدا واضحًا أن ممداني لا يريد الاكتفاء بالكلمات . اختار أن يتحدث بالرمز قبل الخطاب : اليمين على المصحف ، المراسم في محطة مترو مهجورة أسفل البلدية ، ثم الاحتفال المفتوح في الشارع .
تفاصيل لم تكن اعتباطية ، بل بناء واع لسردية كاملة : عمدة يأتي من خارج نوادي النخب ، ابن مدينة متعدّدة الهويات ، منحاز للطبقات التي تُرهقها الحياة اليومية ، مصمّم على كسر المسافة بين السلطة والرصيف .
غير أنّ السؤال الذي سرعان ما يطفو : هل تكفي الرمزية لفتح أبواب التحوّل ، أم تتحوّل إلى عبء إن لم تجد طريقها إلى السياسات الفعلية ؟.
في خطابه أمام الحشود ، اختار ممداني نبرة هادئة ولغة جامعة ، مؤكّدًا أنه ” عمدة لجميع النيويوركيين ، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا ” . عبارة تبدو بسيطة ، لكنها محمّلة بوعي دقيق بانقسام مدينة ، في بلد ، يعيش على وقع عودة دونالد ترامب إلى واجهة السلطة.
بالنسبة لكثيرين من أنصاره ، لم يكن فوزه مجرّد انتصار انتخابي ، بل محاولة جماعية لالتقاط أنفاس سياسية جديدة بعد عام ثقيل على القيم الليبرالية والتقدمية .
لكن ما إن ينتهي التصفيق ، حتى تبدأ السياسة في اختبار أصحابها . وعود ممداني الثلاث الكبرى ، تجميد الإيجارات ، جعل الحافلات مجانية وأسرع ، وبناء نظام عام ومجاني لرعاية الأطفال ، تلامس وجع المدينة اليومي ، لكنها تصطدم سريعا بجدار الصلاحيات والتمويل .
فولاية نيويورك، الأكثر وسطية والأقل اندفاعًا نحو التجريب الاجتماعي ، تبقى اللاعب الحاسم .
هنا يتكثّف السؤال المركزي : إلى أي مدى يستطيع عمدة يساري أن يعيد ترتيب الأولويات داخل نظام صُمّم أساسًا لكبح الاندفاعات الراديكالية ؟ .
الفترة الانتقالية كشفت هشاشة هذا التوازن مبكرا .
تعيين شخصية في الفريق الانتقالي ، قبل أن تعود إلى السطح مواقف قديمة معادية للسامية ، لم يكن مجرّد خطأ إداري ، بل إنذار سياسي . في مدينة تضم أكبر جالية يهودية في العالم ، أعاد الحادث فتح ملف بالغ الحساسية ، وطرح تساؤلات حادة حول قدرة ممداني على طمأنة فئات تخشى أن تتحوّل الرمزية الأيديولوجية إلى قلق هويّاتي أو أمني . كما أن تراجعه عن وعد فك قبضة البلدية عن التعليم العام كشف أن الواقعية قد تفرض شروطها أسرع مما توقّع أنصاره.
في المقابل، برزت براغماتية لافتة في تعاطيه مع البيت الأبيض .
اللقاء مع دونالد ترامب ، الذي انتقل من التهديد بقطع التمويل إلى الإشادة بقدرات العمدة الجديد ، كشف وجهًا آخر لممداني : أقل خطابية ، وأكثر حسابات . فهل نحن أمام يساري يجيد المناورة داخل مؤسسات لا تشبهه ، أم أمام سياسي سيجد نفسه مضطرًا إلى تليين مواقفه تفاديًا للصدام؟
تجربة زهران ممداني تتجاوز حدود نيويورك . إنها تفتح أسئلة أوسع حول مستقبل اليسار الأميركي في لحظة ارتداد محافظ : هل يستطيع الانتقال من الشارع والرمز إلى الحكم والإدارة ؟ هل نيويورك مختبر قابل للتعميم ، أم استثناء يليق فقط بذاته ؟ ثم، هل سيظل ممداني وفيًا لصورة ” عمدة الناس ” ، أم أن المنصب ، الذي يوصف أحيانا بأنه ثاني أصعب وظيفة في البلاد بعد الرئاسة ، سيعيد تشكيله وفق منطقه الصارم؟
من شاطئ كوني آيلاند، حيث قفز قبل عام في مياه متجمّدة ليعرّف بنفسه وبفكرة تجميد الإيجارات ، إلى شرفة بلدية نيويورك ، تبدو رحلة ممداني سريعة ومذهلة .
غير أن السياسة لا تُقاس بسرعة الصعود ، بل بقدرة أصحابها على الصمود .
وما ينتظر العمدة الشاب ليس فقط تنفيذ وعود ، بل الإجابة العملية عن سؤال جوهري: هل يمكن تحويل الرموز إلى سياسات ، والأحلام إلى وقائع ، دون أن تفقد السلطة معناها… أو تفقد المدينة توازنها ؟.

