بقلم أبوبكر الصغير.
بعد ترقب العالم لايام .. جرت عملية انتقال أخطر قرار في الجمهورية الإيرانية .
لم تكن عملية اختيار المرشد الجديد مجرد إجراء دستوري داخل منظومة حكم ، بل كانت لحظة مفصلية أعادت ترتيب موازين القوة داخل الدولة العميقة .
ففي نظام سياسي معقّد مثل النظام الإيراني ، حيث تتقاطع السلطة الدينية مع القوة العسكرية والاقتصادية ، لا تعني البيعة للمرشد فقط انتقال الشرعية ، بل تعني أيضاً إعادة تعريف من يملك القرار النهائي في لحظات الحرب والسلام .
لسنوات طويلة، بدا وكأن الحرس الثوري يمسك بالخيوط الأكثر حساسية في معادلة القوة .
فقد تمدّد نفوذه خارج كلّ الحدود ، وأدار شبكات النفوذ في المنطقة ، وتحول تدريجيا إلى لاعب لا يمكن تجاهله في تحديد إيقاع التصعيد أو التهدئة .
وفي كثير من المحطات بدا وكأن قرار الحرب لم يعد محصورا في مؤسسة واحدة ، بل موزع بين مراكز قوة متعددة داخل مؤسسات الدولة .
لكن مساء امس ، و في لحظة اختيار المرشد الجديد جاءت لتعيد رسم الخطوط بوضوح .
فإعلان الحرس الثوري ولاءه الصريح للمرشد لم يكن مجرد قرار او بروتوكول سياسي أو طقس تقليدي من طقوس النظام ، بل كان رسالة عميقة لها كل المعاني : إن مفتاح الحرب والسلم عاد من هنا فصاعدا إلى اليد التي يفترض أن تحمله منذ البداية ، يد المرشد الأعلى .
في الجمهورية الإسلامية، لا يُنظر إلى المرشد باعتباره قائد او رأس الدولة فقط ، بل باعتباره كلّ الثقل الذي تتقاطع عنده الشرعية الدينية والسلطة السياسية والقيادة العسكرية الاستراتيجية و حتى العلاقات الخارجية . ولذلك فإن صعود مرشد قوي لا يعني مجرد تغيير في الأشخاص ، بل يعني إعادة توحيد القرار السيادي في قمة الهرم داخل ايران .
وهنا يكمن التحول الكبير الحقيقي .
فحين يكون المرشد قويا ، يصبح هو الوحيد القادر على اتخاذ القرار الأخطر في حياة الدول : قرار الحرب… أو قرار السلام .
قرار المواجهة الشاملة ، أو قرار الجلوس إلى طاولة المفاوضات .
وبين هذين الخيارين يتحدد كامل مستقبل المنطقة بأسرها.
إن إعلان الحرس الثوري الولاء للمرشد يعني عمليا كذلك ، تسليم مفاتيح المصير الإيراني لسلطة واحدة واضحة .
فالمؤسسة العسكرية التي كانت توصف بأنها صاحبة اليد الطولى في ملفات التوتر الإقليمي ، أعلنت الآن أنها تتحرك تحت سقف القيادة العليا لا خارجها .
هذا التحول لا يخص إيران وحدها .
فالعالم، من واشنطن إلى بيكين و قبرص إلى تل أبيب ، يدرك أن هوية المرشد وقوة شخصيته ستحدد طبيعة المرحلة القادمة :
هل تتجه إيران نحو مزيد التصعيد في ساحات الحرب الراهنة ؟. أم ستتجه نحو مفاوضات تعيد رسم كل قواعد اللعبة مع الغرب؟ و تقديم التنازلات التي يشترطها ؟.
إن المرشد القوي قد يقود إلى الحرب ، لكنه قد يكون أيضا الوحيد القادر على ايقافها و صنع السلام .
ففي الأنظمة التي تتركز فيها كل السلطات في يد واحدة ، يصبح القرار الحاسم مرتبطا بإرادة فرد قادر على أن يقول نعم و يختار المواجهة او نعم و يختار السلام و التسوية . دون أن تعرقله مراكز القوى المتنافسة.
لهذا، فإن إيران اليوم. بعد اختيار المرشد ليست كما كانت قبله .
لقد انتهت مرحلة الغموض في توزيع القرار ، وبدأت مرحلة وضوح السلطة .
لكن ومع هذا الوضوح ، أصبح السؤال الذي يشغل العواصم الكبرى بسيطا في شكله … لكنه عميق في نتائجه : هل يحمل المرشد الجديد مفاتيح الحرب؟ أم مفاتيح السلام؟ .
لأن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير و مستقبل إيران ، بل ربما تحدد أيضا شكل المنطقة و الشرق الأوسط و حتى العالم في السنوات القادمة .



