تونس 33°C

6 جويلية 2026

تونس 38°C

6 جويلية 2026

حين تصبح الآية رسالة دولة.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في عالم السياسة ، لا تُقال الكلمات اعتباطًا عادة ، ولا تختار الرموز من فراغ .
فلكل إشارة معناها ، و لكل كلمة دلالتها ، ولكل تفصيل رسالته .
فكيف إذا كان الأمر يتعلق بآيات من القرآن الكريم تُتلى أمام وفود اجنبية رسمية قدمت من عشرات الدول للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي ؟ .
هنا تحديدا يغادر النص القرآني ، ولو للحظة ، فضاء القدسية و التعبد إلى فضاء السياسة و الدبلوماسية ، حيث تتحول الآية إلى رسالة واضحة ، ويصبح اختيارها جزءا من لغة المواقف التي لا تحتاج إلى تصريحات صاخبة .
ما شهدته مراسم التشييع أثار تساؤلات عميقة حول ما يمكن تسميته بـ” الدبلوماسية القرآنية ”.
فإذا صحّ أن الآيات كانت تُنتقى بما يتناسب مع هوية كل وفد أو مع الرسالة التي أراد حكام طهران إيصالها إلى كل دولة ، فإننا نكون أمام نموذج لافت في توظيف الخطاب الديني ضمن أدوات الاتصال السياسي .
فالقرآن ، في هذه الحالة ، لا يُستحضر بوصفه نصًا تعبديا فحسب ، بل باعتباره لغة رمزية مشتركة ، تحمل في طياتها رسائل أخلاقية وسياسية في آن واحد .
ولم تعد الدبلوماسية الحديثة تقتصر على البيانات الرسمية أو الكلمات المنمقة ، بل أصبحت تستثمر في الرموز والإشارات والصور والموسيقى والبروتوكول ، وحتى في تفاصيل المشهد التي قد تبدو عابرة . وليس مستغربا أن تلجأ دولة تقوم فلسفتها السياسية على مرجعية دينية إلى توظيف النص القرآني ضمن أدوات قوتها الناعمة ، تماما كما تستثمر دول أخرى في المراسم الملكية أو الأناشيد الوطنية أو الرموز التاريخية لصياغة رسائلها إلى العالم .
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل يجوز توظيف القرآن في هذا السياق ؟.
من الناحية السياسية ، قد لا يثير الأمر إشكالا ، إذ يحق لكل دولة أن تعكس هويتها الثقافية والدينية في مراسمها الرسمية .
لكن من الناحية الأخلاقية والفكرية ، يصبح النقاش أكثر تعقيدا عندما يتحول النص المقدس إلى وسيلة لإيصال رسائل دبلوماسية أو لتحقيق أهداف سياسية .
فالقرآن أنزل هداية للبشر ، لا أداة للتفاوض بين الدول ، وقدسيته تقتضي ألا يُختزل في وظيفة بروتوكولية ، مهما كانت النوايا أو المقاصد .
وفي المقابل ، يرى آخرون أن استحضار القرآن في المناسبات الرسمية لا ينتقص من مكانته ، بل يؤكد حضوره في المجال العام ، وأن الاستشهاد بآيات تتحدث عن الحكمة أو العدل أو الصبر أو الوحدة لا يختلف عن الاستشهاد بها في خطاب سياسي أو مناسبة وطنية ، ما دام ذلك يتم في إطار من الاحترام والتوقير .
غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح اختيار الآيات خاضعا لحسابات السياسة الخارجية أكثر من خضوعه لسياقها القرآني ، فيتحول النص المقدس إلى خطاب رمزي مشفّر ، يقرأ السياسيون دلالاته أكثر مما يتدبر المؤمنون معانيه ، ويغدو التأويل السياسي سابقًا على المقصد الايماني .
لقد أظهرت إيران ، سواء اتفقنا مع نهجها أو اختلفنا معه ، إدراكا عميقا لأهمية القوة الرمزية في إدارة علاقاتها الخارجية ، وإيمانا بأن الدين والسياسة يشكلان ، في رؤيتها، منظومة واحدة يصعب الفصل بين مكوناتها .
إلا أن ذلك يفتح ، في الوقت ذاته ، نقاشا مشروعا حول الحدود الفاصلة بين استحضار الدين بوصفه عنصرا من عناصر الهوية الوطنية ، وبين توظيفه أداة ضمن حسابات المصالح والصراعات الدولية .
فالسياسة بطبيعتها متغيرة ، تحكمها موازين القوى وتقلبات المصالح ، أما القرآن فيبقى ثابتا ، يسمو فوق الحسابات الظرفية والخلافات العابرة .
وكلما اقترب النص المقدس من ساحات التجاذب السياسي ، ازدادت الحاجة إلى الحكمة والبصيرة ، حتى تظل قدسيته مصونة ، ولا يتحول إلى جزء من صراع الدبلوماسية أو مادة لتأويلات تفرضها السياسة أكثر مما يفرضها النص نفسه .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية