ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
توجه الجزائريون يوم الخميس 2 جويلية إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني ( البرلمان ) ، في استحقاق يبدو للوهلة الأولى مجرد محطة دستورية دورية لتجديد نواب المؤسسة التشريعية .
غير أن ما يجري في الجزائر يتجاوز كثيرا مسألة توزيع المقاعد البرلمانية أو تحديد هوية الأحزاب الفائزة ، لأن الرهان الحقيقي يكمن في سؤال أعمق : هل تستطيع هذه الانتخابات إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ؟ بعد سنوات من الحراك الشعبي الذي فتح بابا واسعا للأمل في التغيير ، من دون أن تتحقق بعد كل تطلعاته السياسية ؟ .
منذ أن أجبرت موجات الحراك الشعبي في عام 2019 الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على مغادرة السلطة ، ظل سؤال جوهري يرافق المشهد الجزائري : هل شهدت البلاد تحولا سياسيا حقيقيا ، أم أن النظام أعاد ترتيب أدواته وآلياته من أجل التكيف مع مرحلة جديدة ؟ . بعد سبع سنوات من تلك اللحظة المفصلية ، يعود السؤال نفسه مع كل استحقاق انتخابي ، لأن الأزمة في جوهرها لم تعد أزمة صناديق اقتراع ، بل أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة .
لهذا تبدو نسبة المشاركة الشعبية اليوم أكثر أهمية من النتائج ذاتها .
فالسلطة تدرك أن البرلمان المقبل ، مهما كانت تركيبته الحزبية ، لن يستمد شرعيته الفعلية من عدد المقاعد التي يحصدها هذا الحزب أو ذاك ، بل من حجم الجزائريين الذين سيقررون استعادة إيمانهم بالعملية السياسية والعودة إلى صناديق الاقتراع بعد سنوات من العزوف واللامبالاة .
فالانتخابات التشريعية السابقة في عام 2021 سجلت واحدة من أدنى نسب المشاركة في تاريخ الجزائر الحديث ، الأمر الذي جعل المؤسسة البرلمانية تواجه منذ ولادتها تحديا حقيقياً في مسألة التمثيل الشعبي .
وفي المقابل، لا يزال المشهد السياسي الجزائري يطرح الكثير من علامات الاستفهام . فالمعارضة تتحدث عن تضييق على الفضاءين السياسي والإعلامي ، وعن منظومة قانونية توسع من صلاحيات السلطة التنفيذية وتفرض قيودا إضافية على الأحزاب والنشاط العام ، بينما تؤكد الدولة أن الإصلاحات الجارية تستهدف تحديث الحياة السياسية وتعزيز الاستقرار ومواجهة التحديات المتصاعدة . وبين الروايتين يقف المواطن الجزائري أمام مشهد لم يستعد بعد ذلك الزخم والحيوية اللذين طبعا أشهر الحراك الأولى .
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الانتخابات أن عددا من الأحزاب التي اختارت المقاطعة في السابق قررت هذه المرة خوض المنافسة ، رغم استمرار انتقاداتها لشروط العملية الانتخابية .
وقد أدركت هذه القوى أن المقاطعة ، مهما كانت دوافعها ومبرراتها ، لم تؤد عمليا إلا إلى إخلاء الساحة أمام الأحزاب التقليدية الأقرب إلى السلطة .
لذلك اختارت العودة إلى المؤسسات ، إيمانا بأن التغيير ، حتى وإن كان بطيئا ومحدودا ، يظل أكثر جدوى من الغياب الكامل عن المشهد .
ومع ذلك ، فإن طبيعة التوازنات القائمة تجعل كثيرا من المراقبين يستبعدون حدوث تحولات جذرية في بنية السلطة السياسية . فالأحزاب الكبرى ما تزال تمتلك أفضلية تنظيمية ومؤسساتية واضحة ، بينما تواجه قوى المعارضة تحديات تتعلق بضيق المجال العام ، وصعوبة الوصول إلى وسائل الإعلام ، وتعقيدات إدارية وقانونية تعتبرها غير متكافئة .
غير أن اختزال الانتخابات الجزائرية في مجرد منافسة حزبية يبقى قراءة ناقصة . فالجزائر تقف اليوم عند منعطف دقيق ، داخليا وإقليميا ، وهي مطالبة بالحفاظ على استقرارها في محيط جيوسياسي بالغ الاضطراب ، يمتد من أزمات الساحل الإفريقي إلى الوضع الليبي ، ومن توترات غرب المتوسط إلى التحولات الاقتصادية التي تفرضها أسواق الطاقة العالمية .
وفي مثل هذا السياق ، يصبح التحدي الأكبر هو تحقيق معادلة دقيقة بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الانفتاح السياسي ، لأن الاستقرار الذي لا يفسح المجال للمشاركة يظل هشا ، والانفتاح الذي يهدد تماسك الدولة لا يضمن مستقبلا آمنا .
إن الدول لا تبني شرعيتها بصناديق الاقتراع وحدها ، بل تبنيها أيضا بقدرتها على توسيع المجال العام ، واحترام التعددية ، وإقناع المواطنين بأن أصواتهم ليست مجرد أرقام في سجلات انتخابية ، بل قوة قادرة على التأثير في القرار العام وصناعة المستقبل .
ولذلك، فإن الرسالة الأهم التي ستخرج بها انتخابات الثاني من جويلية لن تتعلق بعدد المقاعد التي فازت بها الأحزاب ، وإنما بالإجابة عن سؤال أكبر : هل بدأت الجزائر بالفعل تستعيد السياسة باعتبارها فضاء للتنافس والتمثيل والمشاركة ، أم أن الانتخابات ستظل مجرد آلية دورية لتجديد المؤسسات من دون تجديد العلاقة بينها وبين المجتمع ؟.
فالانتخابات قد تمنح السلطة شرعية دستورية ، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الشرعية السياسية . فهذه الأخيرة لا تولد إلا عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يكتفي بملء صندوق الاقتراع ، بل يسهم أيضا في رسم ملامح وطنه وصياغة مستقبله .


