تونس 36°C

27 جوان 2026

تونس 38°C

27 جوان 2026

تونس تخسر عقلها … حين تهاجر العقول وتبقى الأجساد !.

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

ليست الأرقام مجرد إحصائيات باردة ، بل هي صفارات إنذار تدوي في وجه وطن يفرّط كل يوم في أثمن ما يملك.
أن يغادر ألف طبيب تونس سنويا ، وأن يهاجر أكثر من 45 ألف مهندس خلال عشر سنوات ، فهذه ليست مجرد هجرة كفاءات ، بل نزيف وطني حقيقي ، واستنزاف لعقل البلاد وذاكرتها العلمية ومستقبلها .
تونس اليوم لا تخسر النفط ولا الغاز ولا الثروات الطبيعية ، بل تخسر ما هو أغلى من ذلك كله : الإنسان الذي استثمرت فيه سنوات طويلة من التعليم والتكوين والإنفاق العام . تخسر الطبيب الذي كان يمكن أن ينقذ أرواحا ، والمهندس الذي كان بإمكانه أن يبني المصانع والطرق والمشاريع ، والباحث الذي كان قادرا على إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل .
أي مفارقة مؤلمة هذه ؟! بلاد تنفق على تعليم أبنائها ثم تهديهم ، في النهاية ، إلى دول أخرى لتجني هي ثمار كفاءاتهم .
جامعاتنا تدرّس ، وعائلاتنا تضحّي ، والدولة تنفق ، ثم يأتي الآخرون ليقطفوا الثمرة الناضجة .
المأساة ليست في أن الشباب يبحثون عن فرص أفضل ، فذلك حق مشروع .
المأساة الحقيقية هي أن يشعر أفضل أبناء الوطن بأن أحلامهم أوسع من حدود بلدهم ، وأن قدراتهم أكبر من المساحات التي أُتيحت لهم ، وأن كرامتهم المهنية ومستقبلهم الإنساني يمكن أن يجدا التقدير في مكان آخر أكثر مما يجدانه في وطنهم .
عندما يهاجر الأطباء ، يمرض النظام الصحي. وعندما يهاجر المهندسون، تتعثر التنمية. وعندما تهاجر العقول، يصبح الوطن مهددا بفقدان قدرته على التجدد والابتكار والنهوض .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس عجز ميزانيتها ولا ضعف اقتصادها ، بل أن تفقد إيمان نخبتها بها.
فالأوطان تُبنى بالعقول قبل الأموال ، وبالكفاءات قبل الشعارات .
وعندما تصبح المطارات أبواب هروب لأفضل أبنائنا ، فإن الأمر لم يعد مجرد هجرة أفراد ، بل هجرة أمل بأكمله .
تونس اليوم لا تنزف بشريا فقط، بل تنزف مستقبلا . وكل طبيب يغادر، وكل مهندس يرحل، يحمل معه جزءا من قدرة هذا البلد على النهوض .
والأمم لا تنهار حين يرحل عنها عمالها العاديون ، بل حين تبدأ عقولها في الرحيل ، وحين يصبح الحلم التونسي مشروع هجرة لا مشروع بناء .
إن تونس، بكل أسف، تخسر عقلها … وتخسر معه أجمل ما فيها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية