تونس 31°C

26 جوان 2026

تونس 38°C

26 جوان 2026

لبنان بين مطرقة حزب الله وسندان إسرائيل : حين تتحول القوة العسكرية إلى هزيمة سياسية .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران في مطلع مارس 2026 ، انصبّ اهتمام العالم على المواجهة المباشرة بين تل أبيب وطهران .
غير أن حربا أخرى ، لا تقل خطورة ودموية ، كانت تتشكل في الظل على الساحة اللبنانية . فقد فتح التصعيد بين إسرائيل وحزب الله جبهة جديدة خلّفت أكثر من أربعة آلاف قتيل ، ومليون نازح ، ودمارا واسعا امتد من جنوب لبنان إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ، لتعود إلى الواجهة ، مرة أخرى ، مسألة قديمة تتجدد مع كل مواجهة : هل تستطيع إسرائيل القضاء على حزب الله بالقوة العسكرية ، أم أنها تعيد إنتاج أخطاء الماضي وتدفع نحو نتائج معاكسة لما تسعى إليه ؟.
لم يكن اندلاع هذه الحرب منفصلا عن التطورات التي شهدتها إيران .
فبعد اغتيال إسرائيل ، في الثامن والعشرين من فيفري 2026، للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي داخل منزله في طهران ، إلى جانب عدد من أفراد عائلته ، وجد حزب الله نفسه أمام ما اعتبره واجبا عقائديا وسياسيا يفرض عليه الرد . وخلال ليلة الأول والثاني من مارس ، أطلق الحزب صواريخ باتجاه منطقة الجليل ، غير أن الهجوم لم يسفر عن قتلى داخل إسرائيل ، بعدما سقطت الصواريخ في مناطق غير مأهولة أو اعترضتها منظومات الدفاع الإسرائيلية .
ولفهم دوافع هذا الرد ، لا بد من إدراك طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط حزب الله بإيران .
فالحزب لا ينظر إلى المرشد الأعلى الإيراني باعتباره مجرد حليف سياسي ، بل يعدّه المرجعية الدينية العليا التي يدين لها بالولاء العقائدي .
ومن خلال لقاءات عديدة مع قيادات الحزب ، كان لافتا أن صور علي خامنئي والإمام الخميني تتصدر صالونات منازلهم ، في دلالة رمزية واضحة على عمق الارتباط العقائدي والتنظيمي بين الطرفين .
فمنذ تأسيسه سرا سنة 1982، بدعم إيراني أعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان ، تشكل حزب الله بوصفه مشروعا للمقاومة من جهة ، وأداة للنفوذ الإيراني في المنطقة من جهة أخرى .
جاء الرد الإسرائيلي سريعا وعنيفا .
ففي الثاني من مارس وحده ، قُتل اثنان وخمسون شخصا وأصيب مئة وأربعة وخمسون آخرون ، وفق وزارة الصحة اللبنانية . واستمرت الحرب حتى وقف إطلاق النار في الثاني والعشرين من جوان 2026 ، بعدما خلّفت أكثر من أربعة آلاف قتيل ومليون نازح ، فيما لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتفظ بالسيطرة على نحو خمسة في المائة من الأراضي اللبنانية .
وفي المقابل ، خسر الجيش الإسرائيلي اثنين وثلاثين جنديا ، معظمهم نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة الدقيقة التابعة لحزب الله، إضافة إلى مقتل أربعة مدنيين إسرائيليين . وقد دفعت هذه الحصيلة الثقيلة العديد من الدول الأوروبية إلى وصف الرد الإسرائيلي بأنه ” غير متناسب ” مع حجم الهجوم الذي تعرضت له إسرائيل .
أما الهدف الإسرائيلي ، فقد كان واضحا منذ البداية .
فقد أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو أنها تسعى إلى القضاء على حزب الله عسكريا.
ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يراهن على أن النجاح العسكري سيفضي لاحقا إلى مكاسب سياسية داخل لبنان ، انطلاقا من اعتقاده بأن غالبية اللبنانيين ، ولا سيما المسيحيين والدروز والسنة ، سيرحبون بالتخلص من حزب يحتفظ بسلاحه رغم انتهاء الحرب الأهلية ، ويجر البلاد بصورة متكررة إلى مواجهات مدمرة مع إسرائيل ، ويفرض ، عبر امتلاكه حق النقض غير الرسمي ، نفوذا واسعا على القرار السياسي اللبناني .
وفي مرحلة لاحقة ، يأمل نتنياهو في الوصول إلى اتفاق سلام مع لبنان ، على غرار الاتفاقات التي أبرمتها إسرائيل مع الإمارات والمغرب في إطار اتفاقيات أبراهام .
ورغم أن هذا التشخيص قد يعكس بالفعل رغبة قطاع واسع من اللبنانيين في العيش بعيدا عن الحروب والدمار ، فإن الوسيلة التي تعتمدها إسرائيل تبدو ، في تقديري ، خاطئة تماما .
فالتاريخ الحديث للمنطقة يؤكد أن التنظيمات المسلحة ذات الجذور العقائدية والاجتماعية لا تُهزم بالقوة العسكرية وحدها ، بل إن المقاربة العسكرية الصرفة قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة مقابل خسائر استراتيجية بعيدة المدى .
إن استمرار إسرائيل كدولة تحظى بدعم الغرب يرتبط أيضا بقدرتها على الحفاظ على صورتها الأخلاقية والسياسية أمام الرأي العام في الدول الغربية .
غير أن حجم الدمار الذي خلّفته عملياتها العسكرية في غزة ولبنان أدى إلى تآكل هذه الصورة ، وأثار انتقادات متزايدة حتى داخل الدول التي ظلت تقليديا من أبرز داعميها .
والأهم من ذلك أن النتائج الميدانية نفسها لا تبدو مؤيدة للرهان الإسرائيلي .
فحركة حماس لم تُستأصل من غزة ولا من الضفة الغربية ، كما أن حزب الله لم يخرج من الحرب منهكا أو مفككا ، بل يبدو أنه عزز، إلى حد بعيد ، حضوره السياسي والاجتماعي . فالمواطن اللبناني ، حتى وإن لم يكن شيعيا، يصعب عليه تجاهل حجم الدمار الذي لحق ببلاده نتيجة القصف الإسرائيلي ، وهو ما يولد مشاعر تعاطف مع الحزب بدلا من تقويض حضوره الشعبي .
والتاريخ يؤكد أن القصف وحده لا يغير قناعات الشعوب ، وهي حقيقة رسختها تجارب عديدة ، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان .
وليس هذا الاستنتاج جديدا . ففي حرب جويلية 2006، وبعد مقتل ثمانية جنود إسرائيليين في حادث حدودي ، أعلنت إسرائيل أيضًا أنها ستقضي على حزب الله .
شنت آنذاك غارات واسعة طالت حتى محطة الكهرباء في الزوق شمال بيروت ، كما توغلت وحدات النخبة التابعة للواء غولاني داخل الأراضي اللبنانية ، حيث واجهت مقاومة عنيفة من مقاتلي الحزب .
لكن بعد ثلاثة وثلاثين يوما من القتال ، وأكثر من مئة وعشرة جنود إسرائيليين قتلى ، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار الذي رعته الدبلوماسية الأمريكية .
ورغم أن جنوب لبنان كان قد تعرض لدمار شبه كامل ، فإن النتيجة السياسية جاءت معاكسة تمامًا ، إذ أعلن حسن نصر الله تحقيق ” النصر الإلهي ” ، وتمكن حزب الله لاحقا من تعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية ، وصولا إلى امتلاك حق النقض في القرارات الاستراتيجية .
ومن هنا، يبدو أن نزع سلاح حزب الله لن يتحقق بوسائل عسكرية ، بل بقرار سياسي يصدر من طهران نفسها .
وهذا لن يحدث إلا إذا وجدت إيران نفسها في بيئة إقليمية مستقرة ، وتمكنت من بناء علاقات طبيعية ، اقتصاديا وسياسيا ، مع الولايات المتحدة .
ولهذا اكتسبت المفاوضات الإيرانية – الأمريكية التي جرت في سويسرا يومي الحادي والعشرين والثاني والعشرين من جوان 2026 أهمية خاصة ، عندما شدد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس على أن استئناف العلاقات الطبيعية بين واشنطن وطهران يمثل أحد الشروط الأساسية لاستقرار الشرق الأوسط .
والمفارقة أن إسرائيل ، من خلال استمرارها في قصف لبنان ومحاولة تعطيل أي تقارب إيراني – أمريكي ، قد تكون في الواقع تقوض أحد المسارات القليلة القادرة على إضعاف حزب الله سياسيًا على المدى البعيد .
فحين يصبح السلام الإقليمي أكثر ربحا لإيران من استمرار الصراع ، قد تتغير حساباتها تجاه الحزب وسلاحه .
أما الرهان على القنابل وحدها ، فقد أثبت التاريخ ، مرة بعد أخرى ، أنه لا يصنع سلاما دائما ، بل يؤجل الانفجار المقبل ويمنح الخصوم أسبابًا إضافية للبقاء.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية