ٍبقلم : أبوبكر الصغير .
في السياسة عادة كما في الحروب ، لا تُقاس الدول فقط بقدرتها على الصمود وسط العواصف ، بل أيضا بقدرتها على قراءة التحولات واستشراف ما بعدها .
فالحروب تنتهي ، لكن الدروس التي تخلّفها هي التي ترسم ملامح المستقبل وتحدد مكانة الدول في النظام الإقليمي الجديد.
ومن بين أهم الدروس التي فرضتها التطورات الأخيرة ، يبرز نجاح السياسة الحكيمة للقيادة العُمانية في ترسيخ مكانة مسقط بوصفها فاعلا رئيسيا. لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية إقليمية مقبلة .
لقد أثبتت سلطنة عُمان مرة أخرى أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالصخب ولا بالاستعراض ، وإنما بالثبات والاتزان والقدرة على بناء الثقة مع الجميع .
لقد نجحت الدبلوماسية العُمانية ، عبر مواقفها الثابتة تجاه القضايا الإقليمية والعالمية ، في الاصطفاف إلى جانب السلام وجعل الدعوة إليه خيارا استراتيجيا راسخا في نهجها السياسي .
فمنذ عقود، لم تتخلَّ مسقط عن إيمانها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتسوية الخلافات والنزاعات ، وأن تجنيب الشعوب ويلات الحروب وتداعياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس مجرد موقف أخلاقي ، بل رؤية استراتيجية بعيدة المدى .
وعندما ارتفعت الأصوات الداعية إلى التصعيد ، تمسكت عُمان بلغتها الهادئة وخطابها المتزن ، مجددة في كل المحافل دعوتها إلى التهدئة والتفاوض وتغليب منطق العقل .
واليوم، وبعد أن انقشع غبار الحرب ، تبدو مواقف مسقط أكثر وجاهة ومصداقية ، لأنها لم تكن رهينة انفعالات اللحظة ولا أسيرة حسابات ضيقة ، بل كانت تستند إلى فهم عميق لطبيعة المنطقة وتعقيداتها.
لقد أثبت موقف سلطنة عُمان ، رغم كل التداعيات والضغوط ، أنه قرار سيادي مستقل لا يميل مع الرياح ولا يتأثر بالضجيج .
فهو موقف يستند إلى إرث طويل من الحكمة السياسية والدبلوماسية ، وإلى قدرة استثنائية على ضبط إيقاع التعامل مع مختلف الأطراف ، بما يحفظ استقلالية القرار الوطني ، ويؤكد مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين ورفض تدخل الآخرين في شؤونها .
إن ما حققته عُمان اليوم ليس انتصارا لدبلوماسيتها فحسب ، بل انتصار لفلسفة سياسية كاملة أثبتت أن الاعتدال قوة ، وأن الحوار شجاعة ، وأن بناء الجسور أكثر فاعلية من بناء المتاريس .
وفي زمن إعادة رسم التوازنات الإقليمية، تدخل مسقط المرحلة الجديدة وهي أكثر رسوخا وثقة وتأثيرا ، لأنها اختارت منذ البداية أن تكون صوت الحكمة عندما ارتفعت أصوات المدافع ، وأن تكون جسر التفاهم عندما انقسمت المنطقة إلى محاور متصارعة .
وهكذا، فإن الدرس الأبرز بعد الحرب هو أن عُمان لم تكن على هامش الأحداث ، بل كانت في قلب صناعة المستقبل ، دولة هادئة في أسلوبها ، عميقة في رؤيتها ، وكبيرة في تأثيرها .



