ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست كل العلاقات بين الدول وليدة المصالح العابرة أو الحسابات السياسية المتغيرة . هناك علاقات تصنعها الجغرافيا و يعمقها التاريخ ، وأخرى تفرضها الضرورات ، لكن العلاقات الأجمل هي تلك التي تنسجها قواسم مشتركة وتحفظها ذاكرة الشعوب .
ومن هذا الصنف النادر تأتي العلاقة بين تونس والمغرب الشقيق ، علاقة لم تُبنَ على المصالح وحدها ، بل على قرون من التفاعل و التواصل الإنساني والتقارب الثقافي والامتداد الحضاري العريق الذي جعل الشعبين يشعران بأنهما ينتميان إلى فضاء واحد و لهما روح واحدة .
من المؤسف أن تطفو بين الحين والآخر أصوات تحاول العبث بهذه الروابط الراسخة ، مستغلة فضاءات التواصل الاجتماعي او بعض وسائل الإعلام و المنابر المشبوهة الباحثة عن الإثارة لنشر الإشاعات وتأجيج المشاعر السلبية .
فهؤلاء لا يصنعون رأيا عاما بقدر ما يصنعون ضجيجا ، ولا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يسعون إلى المشاهدات والتفاعل ، حتى وإن كان الثمن تسميم العلاقات بين الأشقاء وإثارة الأحقاد بين شعوب لم تعرف عبر تاريخها سوى الاحترام المتبادل .
لقد أصبح بعض محترفي الفتنة يتخذون من الكراهية تجارة ، ومن الإساءة وسيلة للشهرة ، ومن الأكاذيب مادة يومية للانتشار .
يراهنون على الانفعال بدل العقل ، وعلى الشتائم بدل الحجة ، ويظنون أن ارتفاع الصوت يمنحهم المصداقية .
غير أن التجارب علمتنا أن الضجيج مهما علا يبقى عابرا ، وأن الحقيقة تظل أقوى من حملات التضليل ، وأن الجسور التي تبنيها المحبة والاحترام عبر عقود طويلة لا يمكن أن تهدمها كلمات طائشة أو خطابات متشنجة .
فالعلاقة بين التونسيين والمغاربة ليست مجرد علاقة رسمية بين دولتين شقيقتين ، بل هي علاقة شعبين تجمعهما ذاكرة مشتركة ووجدان مشترك .
علاقة تتجلى في القرب الثقافي ، وفي التشابه الاجتماعي ، وفي الاحترام المتبادل الذي يشعر به أبناء البلدين كلما التقوا .
ولهذا لا يشعر التونسي في المغرب بالغربة ، ولا يشعر المغربي في تونس بأنه بعيد عن أهله ، لأن ما يجمعهما أكبر من الحدود وأعمق من الخلافات الظرفية.
إن الشعوب الواعية تدرك أن الاختلاف في بعض المواقف لا يبرر العداء ، وأن التباين في وجهات النظر لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين الأشقاء .
فالأمم القوية تبني مستقبلها بالحكمة والتعاون ، بينما لا يحصد خطاب الكراهية سوى مزيد من الانقسام والتوتر .
لقد شهد الفضاء المغاربي خلال تاريخه الطويل محطات سياسية متباينة ، لكن الروابط بين شعوبه ظلت أقوى من العواصف وأبقى من التجاذبات الظرفية .
ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس في ملاحقة كل إشاعة أو الرد على كل خطاب متشنج ، بل في تعزيز ثقافة الأخوة والتواصل والاحترام المتبادل ، وفي حماية الوعي الجماعي من محاولات التضليل والاستغلال .
سيظل التونسيون والمغاربة شعبين شقيقين يجمعهما تاريخ من المحبة والتقدير ، وتوحدهما آمال مشتركة في مستقبل أكثر ازدهارا وتكاملا .
أما دعاة الفتنة وصناع الأكاذيب، فلن يتركوا وراءهم سوى ضجيج مؤقت سرعان ما يتلاشى. لأن ما صنعته القرون من أخوة ووفاء وتاريخ مشترك أكبر من أن تهزه إشاعة ، وأقوى من أن تنال منه حملة تحريض مغرضة ، وأرسخ من أن تمحوه كلمات عابرة في فضاء رقمي سريع النسيان .


