ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يعد المغرب مجرد دولة تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية ، بل أصبح انموذجا أفريقيا صاعدا يعيد تعريف مفهوم النجاح في القارة . فإعلان تصدّره المشهد الصناعي الأفريقي وتجاوزه لجنوب أفريقيا ، التي احتفظت لعقود طويلة بموقع الريادة الصناعية ، لا يمثل مجرد تغيير في ترتيب اقتصادي ، بل يعكس تحوّلا تاريخيا في موازين القوة الاقتصادية داخل القارة السمراء .
فما تحقق اليوم لم يكن وليد الصدفة ، ولا نتيجة عوامل ظرفية أو طفرة مؤقتة ، بل هو حصيلة رؤية استراتيجية بعيدة المدى راهنت على التصنيع والابتكار والانفتاح الاقتصادي . لقد أدرك المغرب مبكرا أن مستقبل الأمم لا يُبنى على تصدير المواد الخام وحدها ، بل على القدرة على تحويلها إلى قيمة مضافة ، وعلى الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية بوصفه شريكا منتجا لا مجرد سوق استهلاكية .
وعلى امتداد السنوات الماضية ، استثمرت المملكة بشكل مكثف في البنية التحتية الحديثة ، والموانئ العملاقة ، والمناطق الصناعية المتخصصة ، وشبكات النقل واللوجستيات ، إلى جانب تطوير منظومة التكوين المهني والتعليم التقني .
وكانت النتيجة بروز قطاعات صناعية متقدمة جعلت من المغرب مركزا إقليميا وعالميا في صناعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والتكنولوجيات الحديثة .
وتكمن الأهمية الحقيقية لهذا الإنجاز في أنه يكسر واحدة من أكثر الصور النمطية رسوخا عن الاقتصادات الأفريقية ، وهي ارتباطها التاريخي بالاعتماد على تصدير المواد الأولية والثروات الطبيعية .
فالمغرب يقدم اليوم نموذجا مغايرا يقوم على الإنتاج والتصنيع والتصدير ، بما يمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على مواجهة الأزمات العالمية ويخلق فرص عمل أكثر استدامة وقيمة .
كما يبعث هذا النجاح برسالة أمل إلى بقية دول القارة الأفريقية مفادها أن الثروة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تختزنه الأرض من موارد ، بل بما تمتلكه الدول من رؤية وإرادة واستثمار في الإنسان .
فالمغرب، رغم محدودية موارده الطبيعية مقارنة ببعض الدول النفطية أو التعدينية ، استطاع أن يبني قاعدة صناعية متينة أهلته لاحتلال موقع متقدم في الاقتصاد الأفريقي والدولي .
وعلى المستوى الجيو – اقتصادي ، يعزز هذا الصعود مكانة المملكة كبوابة استراتيجية تربط بين أوروبا وأفريقيا والعالم العربي . كما يمنحها ثقلا اقتصاديا متزايدا داخل القارة ، خاصة مع اتساع حضور استثماراتها ومؤسساتها المالية وشركاتها الصناعية في العديد من الدول الأفريقية ، بما يجعلها فاعلا أساسيا في رسم ملامح الاقتصاد الأفريقي الجديد .
ومن شأن هذه الديناميكية الصناعية أن تزيد من جاذبية المغرب للاستثمارات الدولية ، إذ تميل رؤوس الأموال العالمية بطبيعتها إلى التمركز حول الأقطاب الصناعية الكبرى .
وكلما تعززت مكانة المملكة كمركز للإنتاج والتصدير ، ازدادت فرص نشوء شبكات صناعية إقليمية متكاملة تمتد من شمال أفريقيا إلى غربها ، بما يخلق فضاء اقتصاديا جديدا قادرا على دفع النمو والتنمية في أجزاء واسعة من القارة .
في المقابل، فإن تراجع جنوب أفريقيا عن موقع الصدارة الصناعية يعكس حجم التحديات الاقتصادية والهيكلية التي تواجهها ، ويؤكد أن المنافسة داخل أفريقيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها الابتكار والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية المتسارعة ، لا مجرد الاعتماد على الإرث الاقتصادي التاريخي.
إن ما نشهده اليوم يتجاوز مسألة انتقال المرتبة الأولى من دولة إلى أخرى : فهو تعبير عن تحوّل عميق في مراكز الثقل الاقتصادي داخل أفريقيا .
فالقارة التي عُرفت طويلا بأنها خزان للموارد الخام بدأت تفرز قوى صناعية جديدة تراهن على المعرفة والتكنولوجيا والإنتاج . وفي قلب هذا التحول يبرز المغرب بوصفه نموذجا لدولة آمنت بالتخطيط الاستراتيجي ، واستثمرت في الإنسان والصناعة والانفتاح، فحصدت ثمار رؤية واضحة وطموحة .
إنها قصة نجاح لا تخص المغرب وحده، بل تمثل مؤشرا على أن أفريقيا قادرة على كتابة فصل جديد من تاريخها الاقتصادي ، عنوانه الصناعة والابتكار ، وشعاره أن المستقبل يُصنع بالإرادة و العمل و الرؤية بعيدة المدى.



