ٍبقلم : ابوبكر الصغير.
ليست كل المدن التي تتسع عمرانا تصبح عظيمة ، وليست كل الثروات قادرة على صناعة مجد مدينة او بلد .
فهناك أمم تبني المدن و المصانع و الجسور و الطرقات ، وأمم أخرى تبني الإنسان فتخلد في التاريخ .
وبين هذا وذاك اختار صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أن يجعل من امارة الشارقة مشروعا حضاريا وإنسانيا استثنائيا و عظيما ، عنوانه الثقافة والمعرفة، وركيزته الإنسان .
ولعل تتويج الشارقة كأول ضيف شرف عربي في تاريخ معرض وارسو الدولي للكتاب ليس مجرد تكريم لإمارة أو مشاركة ثقافية عابرة ، بل هو اعتراف دولي بمشروع فكري متكامل استطاع أن يعبر الحدود واللغات والقارات ، وأن يثبت أن الثقافة العربية قادرة على أن تكون حاضرة ومؤثرة في أرقى المحافل العالمية .
لقد آمن سلطان القاسمي منذ عقود بأن الكتاب ليس سلعة ثقافية فحسب ، بل هو أداة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل .
ولذلك لم يكتفِ ببناء المؤسسات ، بل شيّد منظومة معرفية متكاملة جعلت من الشارقة منارة للفكر والعلم والإبداع .
فالمكتبات انتشرت ، ودور النشر ازدهرت، والمعارض الدولية أصبحت جسورا للحوار بين الشعوب ، والجامعات والمراكز البحثية تحولت إلى فضاءات لإنتاج المعرفة لا لاستهلاكها فقط .
ولم تكن رؤية سلطان القاسمي قائمة على الترويج المحلي أو البحث عن الأضواء ، بل انطلقت من إيمان عميق بأن الثقافة هي القوة الناعمة الأرقى في بناء الأمم وتعزيز مكانتها بين الشعوب .
ولذلك أصبحت الشارقة اسما كبيرا يحضر كلما ذُكرت الثقافة العربية الحديثة ، وصارت نموذجا فريدا في عالم عربي أنهكته الصراعات والانقسامات .
إن حضور الشارقة في العاصمة البولندية وارسو اليوم لا يمثل الإمارات العربية المتحدة فحسب ، بل يمثل وجها مشرقا للعرب جميعا .
فهو حضور رسالة تقول إن هذه الأمة ماتزال قادرة على إنتاج المعرفة ، و ماتزال تمتلك ما تقدمه للعالم من فكر وأدب وفنون وقيم إنسانية نبيلة .
وحين يتجول الزائر في جناح الشارقة ، أو يستمع إلى الندوات والأمسيات والحوارات التي تنظمها مؤسساتها الثقافية ، فإنه لا يرى مجرد برنامج ثقافي مؤقت ، بل يرى ثمرة عقود من العمل الدؤوب والرؤية البعيدة والإيمان الراسخ بقوة الكتاب والكلمة .
لقد نجح سلطان القاسمي في أن يحوّل إمارة متواضعة في مساحتها إلى عملاق ثقافي عالمي في تأثيره .
نجح سلطان القاسمي في أن يجعل من الشارقة عاصمة دائمة للمعرفة ، ومن الكتاب سفيرا لها إلى العالم ، ومن الثقافة لغة مشتركة للحوار بين الحضارات .
ولهذا فإن التكريم الذي حظيت به الشارقة في بولندا هو في جوهره تكريم لقائد آمن بالعلم حين انشغل كثيرون بغيره ، واستثمر في الثقافة حين ظن البعض أنها ترف ، وبنى الإنسان قبل أن يبني الحجر .
إنه تكريم لمسيرة استثنائية أثبتت أن الحضارات لا تُقاس بما تملك من ثروات ، بل بما تزرعه من علم و معرفة لدى الإنسان فيها ، وما تتركه من أثر في عقول البشر ووجدانهم .
هكذا أراد سلطان القاسمي حكيم الامّة … وهكذا أصبحت الشارقة ، منارة عربية تشع معرفة وثقافة وإنسانية على العالم بأسره .



