تونس 29°C

14 ماي 2026

تونس 38°C

14 ماي 2026

ترامب في بكين : السياسة بعقل الدولة لا بعاطفة الشعارات ؟.

بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

حين حطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، لم يكن المشهد مجرد زيارة دولة بروتوكولية عابرة ، بل درسا سياسيا مكثفًا في كيفية إدارة الدول الكبرى لعلاقاتها ومصالحها . استقبال فخم ، احتفاء محسوب ، ورسائل ودّ حرصت الصين على إيصالها إلى العالم ، رغم أنها تخوض مع الولايات المتحدة واحدة من أعقد معارك النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في العصر الحديث .
لكن من يقرأ السياسة بعقل الدولة لا بعاطفة الشعارات ، يدرك أن ما قامت به بكين لم يكن مجاملة مجانية ، بل تعبيرا عن فلسفة سياسية تقوم على البراغماتية الباردة وحسابات القوة .
فالصين تعرف جيدًا أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الكراهية والانفعال، بل بمنطق المصالح وتوازنات النفوذ، حتى مع أكثر الخصوم تنافسًا .
لقد فهمت بكين شخصية ترامب بدقة ، رجل يعشق الصورة الكبرى ، والاحتفاء الاستثنائي، ولغة الرمزية المبهرة . فأعطته الصين ما يرضي غروره السياسي ، لكنها في المقابل كانت تدافع بهدوء عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية ، وتفاوض من موقع القوة والثقة .
وهنا تتجلى العبقرية السياسية : أن تعرف كيف تحتوي خصمك دون أن تتنازل عن مصالحك ، وأن تستخدم الدبلوماسية الناعمة كجزء من معركة النفوذ لا كعلامة ضعف .
في المقابل ، تبدو كثير من الأنظمة والتيارات في منطقتنا أسيرة عقلية مختلفة تمامًا ، عقلية تعتبر السياسة ساحة للصراخ ، وتظن أن رفع الشعارات الحماسية أهم من حماية الدولة وبناء الاقتصاد وتحقيق الاستقرار .
وكم دفعت شعوب أثمانًا باهظة بسبب هذا الفهم العاطفي المرتبك للعلاقات الدولية ، حيث تحولت الخطابات المتشنجة إلى أبواب للعزلة والعقوبات والانهيار .
إن الفارق الحقيقي بين الصين وغيرها لا يكمن فقط في حجم الاقتصاد أو التفوق الصناعي ، بل في طريقة التفكير ذاتها .
فبكين تدرك أن القوة لا تعني العناد ، وأن الكبرياء الوطني لا يتناقض مع المرونة التكتيكية ، وأن الحوار مع الخصوم ليس خيانة بل أداة من أدوات حماية المصالح .
أما الذين يخلطون بين الضجيج والهيبة ، وبين التشنج والسيادة ، فقد ظلوا أسرى أوهام لم تنتج إلا مزيدًا من الأزمات.
ولعل السؤال الأكثر إحراجا لأنصار الخطابات الشعبوية هو : إذا كانت الصين ، بكل ثقلها الاقتصادي والعسكري والحضاري ، لا ترى حرجًا في استقبال رئيس أمريكي بحفاوة عندما تقتضي المصلحة ذلك ، فلماذا يتحول الحوار أو التهدئة في منطقتنا إلى “ تهمة ”؟ ولماذا يُنظر إلى الواقعية السياسية باعتبارها ضعفًا حين تمارسها دول عربية ، بينما تُقدَّم باعتبارها قمة الحنكة حين تنتهجها القوى الكبرى؟ .
السياسة الحقيقية ليست فن إنتاج الهتافات ، ولا سباقًا في توزيع صكوك التخوين .
السياسة هي القدرة على حماية الدولة ، وتجنب الحروب العبثية ، وصناعة التوازنات ، وخلق الفرص لشعوب تبحث عن التنمية والاستقرار .
أما الذين لا يزالون يعتقدون أن العالم يُدار بالعواطف والانفعالات ، فربما آن الأوان ليدركوا أن الدول العظمى لم تصل إلى قوتها بالشعارات ، بل بالعقل البارد ، والرؤية البعيدة ، والمصلحة الوطنية أولا وأخيرا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية