تونس 31°C

12 ماي 2026

تونس 38°C

12 ماي 2026

السياحة العلاجية بصفاقس: الواقع، التحديات والرؤية الاستشرافية

بقلم الحكيم محمد الناصر بن عرب.

بمبادرة من الحكيم معز برك الله النائب عن دائرة صفاقس ،انتظمت هذه التظاهرة الهامة التي شهدت حضور النائب السيد طارق مهدي رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية إلى جانب عدد من نواب الشعب وعلى رأسهم السيد العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب التونسي بالجمهورية التونسية والسيد محمد الحجري والي صفاقس .كما واكب اللقاء حشد من رجال الأعمال والمسؤولين الإداريين بجهة صفاقس ونخبة من الخبراء وممثلي المؤسسات الصحية والجامعة وأصحاب المصحات والأطباء وذلك لمناقشة التوجهات التشريعية والبحث عن رؤية استشرافية لتطوير قطاع السياحة الاستشفائية.

وكم نحن في حاجة ماسة لمثل هذه التظاهرات، كونها تتيح لنا مناقشة المشاريع الكفيلة بالارتقاء بواقعنا نحو الأفضل. وهذا ما تجسد يومي 2 و3 أيار/ ماي الماضي حيث جرت المحاضرات والمناقشات في كنف الجدية على أمل أن تستجيب الدولة التونسية بشكل إيجابي وملموس لمطالبنا.

لست متشائما ولا سلبيا، لكن دعوني أتحدث بصراحة: ما الذي قدمته الدولة التونسية للنهوض بمدينة وولاية صفاقس منذ الاستقلال؟ للأسف لا شيء يذكر في أي ميدان.

تعتبر مدينة صفاقس ثاني أكبر المدن التونسية. وهي القطب الحي والرائد في القطاعات الصناعية والتجارية والصحية فضلا عن كونها مركزا جامعيا متميزا يتألق دوليا بفضل أبحاثه العلمية المبتكرة ويضم حوالي 60 ألف طالب. ورغم هذا الاشعاع وروح المبادرة والعمل الجاد لم تحظ صفاقس بالرعاية والاهتمام اللازمين من الدولة ولم ينجز في أرجائها أي مشروع استراتيجي جدير بالذكر منذ عقود.

في هذا اللقاء المتميز، وجب علينا تحية المنظمين وشكر كل من ساهم بكلمة تتصل بالاستثمار المستدام والسياحة العلاجية وأخص بالذكر أربعة مسؤولين يمثلون واجهة الدولة في ملفات مدينة صفاقس العتيقة ومطار صفاقس الدولي والصحة العمومية.

1.السيد التهامي الحمدي: رئيس مشاريع التهذيب والتجديد العمراني بصفاقس والمشرف على مقترح المشروع العمراني للمدينة.

2.السيد التوفيق العايدي: نائب آمر مطار صفاقس طينة الدولي.

3.الحكيم حاتم الشريف: المدير الجهوي للصحة الذي تناول التحديات القانونية في الصحة العمومية.

4.السيدة بشيرة رحيم: المديرة العامة لوحدة النهوض بالاستثمار وتصدير الخدمات الصحية، ممثلة وزير الصحة.

أود أن أذكر أولا أن مدينة صفاقس العتيقة هي مسقط رأسي، هجرتها ثم عدت إليها، “وما أحلى الرجوع إليها”. لقد تعمقت في تاريخها وخصائص عائلاتها، فمحبتي لها شعور فطري يربطني بجذوري، وهو ما دفعني لتأسيس “دار بية” في أرجائها رغم كل العقبات. هناك، اكتشفت حجم تدهور المباني، حيث أثبتت الفحوصات الفنية أنها تشكل خطرا حقيقيا على سلامة سكانها، وأدركت أن المدينة بحاجة إلى ترميم شامل وصيانة مستدامة لإنقاذ معالمها وأسوارها، خاصة في ظل المعطيات التالية:

.وجود حوالي 400 بناية متداعية للسقوط، انهار بعضها بالفعل مخلفا أضرارا بشرية ومادية.

.تدهور حالة الأزقة والشوارع نتيجة غياب التعميد الجيد.

.انسداد قنوات الصرف الصحي التي يعود تاريخ إحداثها إلى سنة 1910 (العهد الاستعماري). إن هذه القنوات لا تحتاج إلى إصلاح فحسب، بل إلى إعادة تصميم شامل، إذ أن تسرب المياه منها هو السبب الرئيسي في الندى وهشاشة المباني وتآكل الأسوار.

.توظيف ما يقارب 3000 صانع أحذية داخل المنازل السكنية ، مما غير طبيعة المكان، مع اختفاء أغلب الأسواق التقليدية .

إن ما ذكره السيد التهامي الحامدي حول التهذيب والتجديد ليس إلا تكرارا لما يقال منذ 15 سنة. ونحن نؤكد أن مواطني صفاقس سئموا التقارير وينتظرون التنفيذ الفعلي لصيانة المدينة وأسوارها.

أما بخصوص مطار صفاقس الدولي فحدث ولا حرج. وبحكم سفري المتكرر عبر العالم لأسباب مهنية، أؤكد أن مساحة هذا المطار لا تقارن بمطارات مدن فرنسية لا يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة. حاليا، لا يوجد سوى خط جوي واحد يربط صفاقس بباريس (عبر الخطوط الفرنسية)، ومن يرغب في وجهات أخرى، يضطر للتنقل إلى مطارات المنستير أو تونس قرطاج أو جربة.

نحن نتحدث عن الولاية الثانية في الجمهورية التونسية، والتي تعتبر وجهة طبيعية لسكان ولايات سيدي بو زيد وقفصة وقابس، ليصل مجموع الحزام الديمغرافي المستفيد منها إلى قرابة مليوني نسمة.. هذا الثقل السكاني وحده كفيل بإلزام الدولة بتطوير النقل الجوي انطلاقا من صفاقس.

منذ سنة 2000، فرضت صفاقس نفسها قطبا علاجيا متميزا يستقطب المرضى من مختلف ولايات الوسط والجنوب، ومن ليبيا والجزائر، لكن الدولة التونسية لم تقم بالتشريع اللازم ليرتقي المطار إلى تصنيف دولي حقيقي يسمح بحركة جوية عالمية يوميا. وتبرير هذا الموقف هو حسب ما يقال، ناتج عن مشاكل وعقبات الإدارة في شركة الخطوط التونسية للطيران، بينما تبقى الحركة الجوية في المنستير وجربة في غاية الامتياز؟؟؟

وفي سياق متصل، تحدث الحكيم حاتم الشريف على غياب استراتيجية استشفائية وضرورة وضع خطة واضحة ليصبح قطاع السياحة الطبية قاطرة اقتصادية. كما أشار إلى القوانين المعطلة للاستثمار، مقترحا إحداث “الشباك الموحد الصحي” لتسريع الإجراءات، ومنبها إلى تردد البنوك في تمويل المشاريع الصحية، مؤكدا أن الاستثمار المستدام مرتبط بنيويا بمطار يستوعب حركة جوية نشطة. غير أن الحكيم حاتم الشريف لم يذكر أزمة نقص عدد الممرضين والممرضات مع الإقبال المتزايد للمرضى ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، مما يؤدي إلى ضغوط كبيرة على المنظومة الصحية.

من جهتها، استعرضت السيدة بشيرة رحيم محاور دعم وزارة الصحة لمشروع “صفاقس قطب للاستثمار المستدام”، بهدف تحويل الجهة إلى قطب إقليمي للسياحة العلاجية عبر تسهيل الإجراءات، وتعزيز الإمكانات الطبية، وتسويقها دوليا، ورقمنة الخدمات. وعلى غرار كل ما ذكرته السيدة بشيرة رحيم فهي لم تذكر أن عديد المرضى القاصدين مصحات صفاقس من ليبيا لم يجدوا بدا إلا الإتجاه إلى تونس العاصمة نظرا لعدم النقل الجوي بين المدن الليبية وصفاقس.

والحقيقة التاريخية تقول إن صفاقس قطب استشفائي منذ سبعينات القرن الماضي، بفضل مهارة أطبائها وجراحيها، وجودة استقبالهم الإنساني والمهني. لقد كان المرضى يتوافدون من طرابلس وزوارة وبنغازي وموريتانيا، ويقيمون مع عائلاتهم في دور صفاقس وضواحيها مما جعلها منذ ذلك الحين قطبا للسياحة العلاجية “بأتم معنى الكلمة”.

في سنة 2016، عقدت ندوة لبعث استراتيجية تنمية صفاقس الكبرى لتصبح “حاضرة متوسطية”، ولكن ” لا حياة لمن تنادي”.

إن مؤتمر “صفاقس قطب للاستثمار المستدام للسياحة العلاجية “(2-3 أيار/ماي 2026) كان لقاء هاما تحت إشراف مجلس النواب والوزارات المعنية بالأمر، وأكد مجددا جودة قطاعنا الطبي، لكن نخشى أن نظل في تكرار اللقاءات دون جدوى ملموسة. فمتى نعقد ندوة لا لنناقش الأفكار، بل لنحصي المشاريع التي تمت المصادقة عليها وتحققت فعليا على أرض الواقع؟

ختاما، أردت بهذا المقال التصحيح والتذكير بان هذا القطب السياحي الصحي لم يولد فجأة أو بلا هوية، بل بني بخطوات ثابتة بفضل جيل المؤسسين منذ خمسين عاما، حين بدا أهالينا من “زوارة” الليبية بزيارة “مصحة التوفيق” بصفاقس قبل التوجه للعاصمة، وتبعتهم وفود “وادي السوف “من الجزائر، ثم الأشقاء من موريتانيا. هي مسيرة عقود تستحق تشريعات ترتقي لمستوى تضحياتها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية