بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تلبث تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران أن تجاوزت حدودها المباشرة ، لتتمدّد سريعًا نحو الفضاء الخليجي ، واضعة دول مجلس التعاون ، المملكة العربية السعودية ، والإمارات العربية المتحدة ، والكويت ، وقطر ، والبحرين ، وسلطنة عُمان ، في قلب مشهد لم تكن طرفا في إشعاله .
فمنذ الأيام الأولى ، وجدت هذه الدول نفسها تحت وطأة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ، استهدفت منشآت حيوية ومواقع مدنية ، في تصعيد خطير أعاد رسم خرائط الاشتباك ووسّع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من مسرحها الأصلي .
غير أن ما يستحق التوقف عنده لم يكن حجم الاستهداف بقدر ما كان نوعية الرد .
ففي لحظة إقليمية مشحونة بكل أسباب الانفجار ، اختارت دول الخليج أن تقاوم إغراء التصعيد ، وأن تتمسّك بسياسة ضبط النفس ، ليس ضعفا أو عجزا ، بل انطلاقا من قراءة دقيقة لطبيعة اللحظة وخلفياتها .
لقد بدا واضحًا أن ما يُراد لم يكن مجرد إلحاق الأذى ، بل استدراج هذه الدول إلى موقع الفاعل في حرب لم تخترها ، وإقحامها في مسار تصعيدي يخدم أجندات أوسع .
في هذا السياق ، تكشف الهجمات ، رغم حدّتها ، عن هدف يتجاوز البعد العسكري المباشر ، ليطال إعادة تشكيل الصراع وفق محددات إقليمية أكثر تعقيدًا ، حيث يتداخل السياسي بالديني ، والاستراتيجي بالإيديولوجي. ومن هنا ، جاء الوعي الخليجي بخطورة الانزلاق من موقع الاستهداف إلى موقع الاشتباك ، باعتباره انتقالًا يخدم ، في جوهره ، من يسعى إلى توسيع رقعة النار وإطالة أمدها .
ولم يكن الرهان على تعبئة الرأي العام العربي غائبًا عن هذا المشهد ، عبر استدعاء خطاب العداء لإسرائيل ومحاولة فرض اصطفافات حادة بين الحكومات وشعوبها . غير أن هذا الرهان اصطدم بقدر معتبر من الوعي السياسي ، الذي أدرك أن توسيع الصراع لن يكون سوى وصفة إضافية لعدم الاستقرار ، وأن الانجرار وراء الاستقطاب لن يخدم قضايا المنطقة بقدر ما يعقّدها .
ومع مرور الوقت، تكشّفت مفارقة لافتة : الدول التي طالتها الهجمات لم تكن طرفًا في العمليات العسكرية، ولم تُستخدم أراضيها كمنصات عدوان، ما أضعف مبررات استهدافها ، وطرح تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية لهذا التصعيد .
وهو ما يعيد توجيه النقاش من ظاهر الحدث إلى عمقه، حيث تتقاطع الرسائل السياسية مع الحسابات الاستراتيجية .
في المقابل ، برزت دول الخليج كنموذج لافت في إدارة الأزمات ، قائم على معادلة دقيقة تجمع بين الجاهزية الدفاعية والاتزان السياسي .
لم تكتفِ هذه الدول بحماية أراضيها ، بل عملت على احتواء تداعيات التصعيد ومنع تحوّله إلى حرب شاملة، في مقاربة تعكس نضجًا متقدمًا في التعامل مع التهديدات المركّبة .
كما أظهرت الأزمة مستوى ملحوظًا من التماسك الخليجي ، تجلّى في التنسيق السياسي والتعاون الميداني ، ما عزّز قدرة هذه الدول على مواجهة التحديات ضمن رؤية جماعية، بدل الانكفاء إلى ردود فعل فردية . هذا التماسك لم يكن تفصيلا عابرا ، بل أحد أهم عناصر الصمود في وجه محاولات تفكيك الموقف الإقليمي .
في المقابل ، كشفت بعض المواقف داخل الفضاء العربي عن اختلال في ميزان القراءة ، حيث طغت الحسابات الإيديولوجية على الموقف المبدئي الرافض لأي اعتداء على دول لم تكن طرفا في الصراع .
فالدفاع عن القضايا العادلة لا يبرر الصمت عن استهداف الأبرياء أو التغاضي عن انتهاك سيادة الدول .
في المحصلة، لم تكن هذه الحرب اختبارًا عسكريًا فحسب ، بل امتحانًا لصلابة القرار السياسي وعمق الرؤية الاستراتيجية . وقد نجحت دول الخليج ، إلى حد بعيد ، في تفادي الوقوع في فخ الاستدراج ، مؤكدة أن الحكمة ، في أزمنة الاضطراب ، ليست ترفا سياسيا ، بل خيارًا استراتيجيا حاسما .
وهكذا ، بينما سعت أطراف إلى توسيع رقعة الاشتعال، اختارت دول الخليج أن تدير اللحظة بوعي واتزان، محافظةً على توازن دقيق بين الردع والتعقّل ، توازن قد لا يبدو صاخبًا، لكنه، في لحظات التاريخ الحرجة، يصنع الفارق الأكبر .


