تونس 27°C

18 أفريل 2026

تونس 38°C

18 أفريل 2026

الخليج : الرابح الأكبر من فوضى إيران ! .

-ابوبكر الصغير.

بخلاف ما قد يعتقده كثيرون ، لم تضع الحرب مع إيران دول الخليج في موقع مجرّد المتلقي أو المتأثر فقط ،بل كشفت ، في عمقها ، عن تحوّل استراتيجي كبير سيجعل من هذه الدول أكثر حضورًا وتأثيرًا في رسم ملامح المرحلة القادمة اقليميا و دوليا .
فبينما انشغلت أطراف الصراع بحسابات الميدان ، كانت العواصم الخليجية تعيد ترتيب الكثير من أولوياتها بهدوء كبير ، مستندة إلى مزيج من الحكمة السياسية والرؤية بعيدة المدى لقياداتها .
هذا التحول لا يقوم على ردّ فعل ظرفي ، بل على قراءة دقيقة لما أفرزته الحرب من اختلالات وفرص .
وهو ما تجمع عليه تقارير دولية متعددة تشير إلى أن الخليج يتجه نحو إعادة تموضع شاملة ، تعيد صياغة دوره الاقتصادي والتقني وحتى الجيوسياسي .
أول ملامح هذا التحول يتمثل في إعادة توجيه الاستثمارات . فبعد عقود من توجيه الجزء الأكبر من رؤوس الأموال إلى الخارج ، تتجه دول الخليج اليوم إلى قلب المعادلة ، عبر ضخ النسبة الأكبر من استثماراتها داخل اقتصاداتها الوطنية .
هذا التوجه لا يعني فقط تنشيط الأسواق المحلية ، بل يؤسس لمرحلة من النمو الذاتي وتقليل الاعتماد على التقلبات الخارجية .
في موازاة ذلك ، يبرز الذكاء الاصطناعي كأولوية استراتيجية ، لا باعتباره قطاعًا تقنيًا واعدا فحسب ، بل كأداة سيادية تمس الأمن القومي وموازين القوة في المستقبل . الاستثمار المكثف في هذا المجال يعكس إدراكًا خليجيًا مبكرًا لطبيعة التحولات القادمة ، حيث لم يعد التفوق يُقاس فقط بالموارد التقليدية ، بل بالقدرة على امتلاك المعارف والتكنولوجيا .
كما تتجه بعض دول الخليج ، وفي مقدمتها السعودية ، إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية ، في خطوة تهدف إلى تقليص الاعتماد على الخارج وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. هذا التوجه، وإن كان تدريجيًا ، يعكس انتقالًا من منطق الاستيراد إلى منطق الإنتاج و التحديث و التطوير .
ومن بين التحولات المهمة اللافتة أيضًا ، التوجه نحو تعزيز البنية التحتية الرقمية ، بما في ذلك إنشاء مراكز بيانات محصّنة وقادرة على الاستمرار في مختلف الظروف .
هذا الاستثمار في “ أمن البيانات ” يعكس وعيًا متزايدًا بأن الحروب المستقبلية لن تكون عسكرية فقط ، بل معلوماتية بالاساس وتقنية بالدرجة الأولى .
على المستوى الاقتصادي الأوسع ، تعود البنية الصناعية إلى الواجهة كركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي ، مع خطط لضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع ، بما يعزز من قدرة الاقتصادات الخليجية على إنتاج القيمة بدل الاكتفاء بتصدير الموارد .
أما في مجال التجارة ، فيتزايد الاهتمام بتطوير المسارات البرية والبديلة ، إلى جانب بناء موانئ استراتيجية على البحر الأحمر والبحر العربي ، بما يقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية ، ويمنح هذه الدول مرونة أكبر في إدارة تجارتها .
في المحصلة، لا يمكن فهم ما يحدث في الخليج اليوم بوصفه مجرد استجابة لحرب عابرة ، بل هو إعادة تشكيل شاملة لنموذج التنمية والدور الإقليمي .
فبينما كشفت الحرب هشاشة بعض التوازنات ، أظهرت في المقابل قدرة دول الخليج على التكيّف السريع، واستشراف المستقبل، وتحويل الأزمات إلى فرص.
إنها لحظة انتقال كبير ، لدول الخليج ، من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع التأثير فيها … حيث لا تُدار السياسة بردود الأفعال ، بل تُصاغ برؤية واستباق .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية