بقلم : أ – حذامي محجوب
لم يعد النقاش اليوم حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على حدود الابتكار أو التقدم التكنولوجي ، بل أخذ ينزلق نحو استعارات مقلقة تكشف تحوّلًا عميقًا في نظرتنا إلى الإنسان ذاته.
فعندما يتحدث كلٌّ من جنسن هوانغ ، رئيس شركة Nvidia ، والمفكر نوح يوفال هراري عن “ مهاجري الذكاء الاصطناعي ”، فإن الأمر يتجاوز حدود المجاز اللغوي ، ليطرح رؤية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان و الآلة ، بما يهدد بإعادة تعريف قيمة البشر داخل المنظومة الحديثة .
في هذا السياق ، تتقاطع أطروحات يجمعها خطاب صناعي تقوده الشركات الكبرى ، مع مقاربات فكرية يسعى من خلالها بعض المنظّرين إلى تفسير التحولات الراهنة .
هذه الأطروحات تقارن بين حركة البشر عبر الحدود وتدفق الأنظمة الذكية داخل المجتمعات ، وكأن الاثنين يخضعان للمنطق ذاته : التعويض ، والاستبدال ، وإعادة توزيع الأدوار .
غير أن هذا التشبيه يخفي وراءه فكرة أكثر جذرية ، مفادها أن الإنسان نفسه يمكن اختزاله إلى وظيفة ، أو إلى “ وحدة عمل ” قابلة للتعويض .
تكمن خطورة هذا الطرح ليس فقط في مضمونه ، بل في دلالاته الضمنية .
فعندما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي ككيان “ يصل بسرعة الضوء ” ليحل محل العمال ، أو كفاعل مستقل قادر على التأثير في الاقتصاد والثقافة ، فإننا نكون أمام نزعة واضحة لإضفاء الطابع الإنساني على الآلة ، مقابل تجريد الإنسان من إنسانيته .
يصبح الذكاء الاصطناعي “ طبيبًا ” و” سائقًا ” و” حارسا للحدود”، بينما يُختزل البشر إلى أرقام داخل منظومة إدارية متكاملة ، قابلة للاستبدال متى توفرت كفاءة أعلى .
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم فعليًا في مراقبة الحدود وفي مجالات متعددة ، فإن الواقع التقني يختلف جذريًا عن الصورة المتداولة .
فنحن لا نتعامل مع كيان مستقل ، بل مع أدوات وأنظمة صُممت وتُدار داخل شبكات بشرية ومؤسساتية. ومع ذلك ، يتعمد الخطاب السائد أحيانًا تضخيم هذه الصورة ، مما يفتح المجال أمام سياسات تبرر التحكم في الأجساد وتنظيمها تحت غطاء الكفاءة والتقدم .
في هذا الإطار ، تتقاطع هذه الرؤية مع ما يُعرف بالبيوسياسة ، حيث تُدار المجتمعات باعتبارها تجمعات من الأجساد التي يمكن ضبطها وفق متطلبات السوق والإنتاج .
لم يعد الإنسان مركز الفعل وحده ، بل أصبح جزءًا من منظومة تُقاس قيمته بقدر إنتاجيته أو قابليته للاستبدال .
وإذا كانت الهجرة البشرية تثير الجدل اليوم ، فإن استعارتها لوصف الذكاء الاصطناعي تعكس محاولة لإعادة صياغة هذا الجدل بما يخدم منطق السيطرة بدلًا من منطق الفهم .
واللافت أن هذا الخطاب لا يتوقف عند حدود الاقتصاد أو العمل ، بل يمتد إلى تخيّل أدوار غير مسبوقة للذكاء الاصطناعي : من إدارة الشركات إلى التأثير في الأسواق ، بل وحتى إنشاء كيانات ذات طابع رمزي كالدين أو الثقافة .
هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل يتحول إلى “ فاعل ” يُمنح ضمنيًا خصائص قانونية وسياسية ، في مقابل سحب هذه المكانة تدريجيًا من الإنسان .
بهذا المعنى، فإن الحديث عن “ هجرة الذكاء الاصطناعي” ليس بريئًا ، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل سردية كبرى تمهّد لتوسيع نفوذ الأنظمة التكنولوجية .
إنها محاولة لإقناعنا بأن ما يحدث أمر طبيعي ، بل حتمي ، في حين أنه في جوهره خيار سياسي وفكري يعكس مصالح محددة .
في النهاية، لا يتعلق الأمر بقدرة الآلات على التعلم أو الأداء ، بل بكيفية توظيف هذا التقدم داخل بنية السلطة .
فإما أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان ، أو يتحول الإنسان نفسه إلى أداة داخل منظومة تحكمها الخوارزميات . وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المستقبل .


