بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في خضم الجدل الذي أثاره مقترح القانون الذي تقدّمت به النائبة كارولين يادان لمكافحة تجدد معاداة السامية ، يتّضح سريعًا أن النقاش يتجاوز حدوده القانونية والأخلاقية المباشرة ، ليطرق سؤالا أعمق وأكثر حساسية : ما وظيفة الذاكرة في المجال السياسي ؟ وأين تنتهي حدود استدعائها ، وأين يبدأ توظيفها ؟ .
إن اعتماد تعريف التحالف الدولي لاحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية ، بما يحمله من احتمالات الربط بين نقد إسرائيل ومعاداة اليهود ، أعاد فتح نقاش معقّد حول دقة المفاهيم وحدودها .
فقد عبّر عدد من الباحثين والمفكرين عن تخوّفهم من الطابع الفضفاض لهذا التعريف ، الذي قد ينزلق ، بحسن نية أو بسوء تأويل ، نحو تقييد حرية النقاش الأكاديمي والسياسي ، خصوصا في القضايا المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط .
هذا التعريف لم يولد في فراغ ، بل تبلور ضمن سياق تاريخي محدد ، انطلاقا من إعلان ستوكهولم 2000 حيث سعت الدول إلى تثبيت ذاكرة المحرقة كمرجعية أخلاقية جامعة للديمقراطيات الحديثة .
غير أن هذا المسار شهد ، منذ سنة 2016، تحوّلًا لافتًا : من الذاكرة بوصفها أداة للتوعية والتربية ، إلى الذاكرة بوصفها معيارًا يُستدعى لتوجيه السياسات العامة ، بل وأحيانًا لتنظيم الفضاءين الأكاديمي والإعلامي .
في مواجهة هذا التحول ، برز إعلان القدس حول معاداة السامية كمحاولة لإعادة ضبط المفاهيم ، عبر تقديم تعريف أكثر دقة يميّز بوضوح بين الكراهية الموجهة لليهود ، وهي مرفوضة بلا لبس ، وبين النقد السياسي لدولة إسرائيل ، وهو نقد مشروع في إطار حرية التعبير .
ويعكس هذا التباين صراعا عميقا بين مقاربتين : الأولى تسعى إلى جعل الذاكرة سلطة معيارية تضبط الحاضر ، والثانية تدافع عن استقلالية المعرفة وضرورة الحفاظ على التمييز المفاهيمي .
غير أن مكمن الخطورة الحقيقي لا يكمن في التعريفات بحد ذاتها ، بل في انتقالها من فضاء النقاش الفكري إلى حيز التشريع .
فعندما تتحول نصوص صيغت كإطارات أخلاقية مرجعية إلى أدوات قانونية مُلزمة ، فإنها تكتسب قدرة على الردع ، وربما على التضييقز، خاصة في سياقات سياسية مشحونة .
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح :
هل ما تزال الذاكرة تؤدي دورها الأصلي كأداة للتنوير والتحذير ؟ .
أم أنها دخلت طورا جديدا ، تتحول فيه إلى أداة لإدارة الحاضر وتوجيهه ؟ .
ما يكشفه هذا الجدل ليس مجرد اختلاف حول تعريف معاداة السامية ، بل تحوّل أعمق في علاقة المجتمعات بذاكرتها .
لم تعد الذاكرة مجرد إرث يُستعاد ، بل أصبحت قوة معيارية يُعاد تشكيلها وفق رهانات سياسية متغيرة .
وبين الذاكرة كضمير جماعي ، والذاكرة كأداة سلطة ، يتواصل توترٌ دقيق … هو في جوهره توتر بين الأخلاقي والسياسي ، بين التاريخ والقانون ، وبين الحرية والضبط .

