عواصم – عرب21 :
تتنفس الأسواق العالمية شيئًا من الارتياح ، لكنّه ارتياح مشوب بالحذر ، عقب إعلان هدنة مؤقتة في إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في الشرق الأوسط .
هدنة انعكست سريعًا على أسعار الطاقة وأداء البورصات ، غير أنها في العمق كشفت هشاشة التوازنات الاقتصادية واستمرار القلق الكامن في بنية النظام المالي العالمي .
في أولى الإشارات ، تراجعت أسعار الوقود بما بين 5 و10 سنتيمات للتر الواحد ، في استجابة فورية لنبض الجغرافيا السياسية .
أما سوق النفط ، فكان أكثر تعبيرًا عن هذا التحول، حيث انخفض خام برنت بنسبة 16% ليستقر عند 93 دولارًا، وتراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى أدنى مستوياته منذ ستة أشهر .
كما هبطت أسعار الغاز إلى 47.2 دولارًا للميغاواط / ساعة ، مقتربة من مستويات ما قبل الأزمة .
هذا الانفراج النسبي ضخّ جرعة تفاؤل في الأسواق المالية ، فحققت البورصات مكاسب لافتة : ارتفع مؤشر كاك 40 بنسبة 3.7%، وصعد داكس الألماني بـ 4.8%، فيما تقدم FTSE البريطاني بـ3.6%.
ولم تكن آسيا بعيدة عن هذا الزخم، إذ قفزت بورصتا طوكيو وسيول بنسبة 5.4% و6.9%، في حين تشير العقود الآجلة إلى افتتاح إيجابي في وول ستريت يتراوح بين 2.6% و3.3%.
وفي سوق السندات ، انخفضت العوائد إلى 3.53% للسندات الفرنسية و4.44% للأمريكية لأجل عشر سنوات، في دلالة على تراجع الضغوط التضخمية على المدى القريب. كما عززت هذه المؤشرات رهانات الأسواق على توجه البنوك المركزية نحو تخفيف السياسة النقدية، مع ارتفاع احتمالات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي إلى نحو 60% قبل نهاية العام.
غير أن هذا التفاؤل يظل هشًا ومشروطًا. فالمشهد الميداني لا يزال معقدًا، حيث لم تستأنف الملاحة في مضيق هرمز نسقها الطبيعي بعد تراجعها بنحو 90% خلال أسبوعين ، فيما تبقى مئات ناقلات النفط عالقة في خليج عُمان.
كما أن إعادة تشغيل البنية التحتية للطاقة ، خاصة في مواقع استراتيجية مثل رأس لفان في قطر، قد تستغرق أسابيع، ما يبطئ عودة الإمدادات إلى مستوياتها المعتادة.
هذه المعطيات تؤكد أن الأسواق لا تسعّر السلام بقدر ما تراهن على لحظات التهدئة المؤقتة ، وهو ما يفسر بقاء أسعار النفط أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة، إذ لا يزال خام برنت مرتفعًا بنسبة 34%، وWTI بنحو 46%.
وفي المقابل، تواجه قطاعات حيوية تحديات مستمرة .
فالنقل الجوي، على سبيل المثال، لن يستفيد سريعًا من تراجع أسعار النفط بسبب الفجوة الزمنية بين أسعار الخام وتكاليف التشغيل . كما تعاني قطاعات الصناعة والبناء من ضبابية في أسعار المواد الأولية، في ظل بطء انتقال انخفاض التكاليف إلى المستهلك النهائي.
لكن القلق الأكبر يظل احتمال عودة التضخم إلى الواجهة ، في حال تعثرت الهدنة أو تجدد التصعيد.
فسيناريو الاضطراب لا يزال قائمًا ، وأي انتكاسة قد تعيد الأسواق إلى نقطة الصفر، بل وربما إلى موجة أشد من التقلبات .
في المحصلة، يعيش الاقتصاد العالمي حالة “ ارتياح مشروط ” : انتعاش في المؤشرات، يقابله غياب للثقة الكاملة. وبين تراجع أسعار الطاقة وتحسن أداء البورصات من جهة، واستمرار المخاطر الجيو – سياسية والتضخمية من جهة أخرى ، يبقى العالم الاقتصادي معلقا بين أمل التهدئة وواقعٍ لا يزال محكومًا بعدم اليقين.



