تونس 30°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

حين يخطب اللصّ في فضيلة الأمانة !.

بقلم أبوبكر الصغير.

ليست السياسة مجرد شعارات تُرفع أو خطب تُلقى ، بل هي في جوهرها تحويل لما تختزنه الأخلاق من مبادئ إلى أفعال ملموسة في الواقع .
فالقيم، مهما سمت، تظلّ مجرد أفكار مجرّدة ما لم تجد طريقها إلى التطبيق داخل الأسرة والمجتمع والدولة.
غير أنّ ما نراه أحيانا في الحياة العامة ليس ترجمةً للأخلاق ، بل عرضٌ طويل من الرياء والنفاق والزيف .
كلمات منمّقة تخفي وراءها حسابات ضيقة، وتملقٌ رخيص لا يشتري احتراما ولا يصنع قيمة .
إنها عملات مزيفة قد تخدع البعض، لكنها لا تنطلي على أصحاب البصيرة .
ومع هؤلاء، و على قلتهم ، يصبح على الإنسان أن يمتلك قدرا مضاعفا من الذكاء… لا ليجادلهم ، بل ليخفي وجعه ، وليحجب جرحه عن لغةٍ ترفض أن تنزلق إلى مستواهم .
يبدّلون وجوههم كما تتبدل الألوان في الطبيعة ، لكن حتى الحرباء قد تظلم إذا شبّهناها بهم .
فهي لا تغيّر جلدها إلا دفاعا عن نفسها بغريزة حب البقاء ، وانسجاما مع بيئتها.
أما هم فيتلوّنون بدافع الحيلة والخداع، يقلبون المواقف كما تُقلب الصفحات ، ويتنقلون بين التحالفات والعداوات بخفة لا يضبطها مبدأ ولا يحكمها ضمير .
والأغرب من ذلك أن يبلغ بهم الأمر حدّ التشكيك في مؤسسات محترمة في الدولة ، أو اتهام أجهزة رسمية بتضليل الشأن العام ، أو الطعن في كفاءة مسؤولين يشغلون مواقع حساسة وقريبة من دوائر القرار .
هؤلاء لديهم رأي في كل شيء : في السياسة والاقتصاد والاجتماع ، بل وحتى في الطقس و الكرة و حياة العصافير ! يتحدثون بثقة العارفين بكل الملفات ، وكأنهم أكثر دراية من المختصين الذين يتولونها فعلا .
لقد برزت ظاهرة غريبة منذ سنوات : النضال من اجل مقاومة الفساد ” .
ظاهرة بدأت تتشكل في أعقاب ما سُمّي بالثورة، حين رأينا مجرمين وإرهابيين يخرجون من السجون مكرّمين ، ويُقدَّمون فجأة في صورة ضحايا الاستبداد ، بل ويُمنح بعضهم تعويضات سخية عمّا ارتكبوه من جرائم .
أتذكر جيداً أحدهم، من أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة، عُرف بتاريخه الإجرامي الطويل ، وتورّط يوماً في حرق محلّ للأحذية في منطقة الباساج.
فوجئت بعد سنوات بأنه تحوّل إلى “مناضل سياسي”، يتحدث عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وكأنه أحد روّادها !.
وشخص آخر يقدّم نفسه اليوم في صورة شيخٍ وقور ، بل ويطمح إلى منصب وزاري، ويتحدث عن رئيس الدولة بلهجة خالية من أدنى احترام لهيبة المنصب.
غير أن الحقيقة التي تكشّفت و هي تورّطه في قضايا تحيّل وابتزاز ، يملك ضحاياه أدلة واضحة عليها، بينما يواصل هو الإنكار وكأن شيئاً لم يكن.
إن من مفارقات هذا الزمن أن تختلط الأدوار إلى حدّ السخرية : أن تتحدث العاهرة عن الشرف، والظالم عن العدالة، والمجرم عن الأمانة، والفاجر عن الأخلاق والقيم .
هكذا يصبح الكذب فضيلة عند البعض، والنفاق وسيلة للصعود، لأنهما في النهاية الثمرة الطبيعية لبيئة تسمح للدناءة أن تتزيّن بلباس الفضيلة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية