بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ما يجري في واشنطن لا يمكن اختزاله في نزوات رئيس مثير للجدل أو في سلوك سياسي متقلب يُقرأ بمنظار الشخصنة .
فاختزال التحولات الأميركية في ” ظاهرة ترامب ” هو في حد ذاته قراءة سطحية تتجاهل طبيعة الدولة العميقة في الولايات المتحدة ، تلك التي تُدار عبر منظومة معقّدة من المؤسسات ، والعقول الاستراتيجية ، ومراكز النفوذ ، القادرة على إنتاج السياسات بمعزل عن الأهواء الفردية .
ما نشهده اليوم ليس انحرافا مفاجئا ، بل تنفيذا متأخرا لبرنامج قديم ، انتظر طويلا لحظة مواتية و واجهة مستعدة لدفع ثمنه السياسي.
الولايات المتحدة ليست دولة يبتكر فيها الرئيس الرؤية ثم تُنفّذ ، بل دولة تُصاغ فيها الرؤى داخل مطابخ التفكير والأمن والاقتصاد ، ثم يُبحث لها عن رئيس قادر على إخراجها إلى العلن .
في هذا الإطار، لا يبدو ترامب صانعا لمسار جديد ، بقدر ما يبدو الأداة الأكثر ملاءمة لتجسيد ما كان جاهزا في الأدراج .
رجل لا يقيّده هاجس الصورة ، ولا يرهقه سؤال الإرث الأخلاقي ، ولا يتردد في تحمّل دور ” الوجه الصادم ” لمنظومة تعرف جيدًا ماذا تريد.
التحول الجاري يعيد إلى الواجهة منطقا أميركيا قديما ، يقوم على فكرة المجال الحيوي والسيطرة على المحيط ، وهو منطق يعود إلى القرن التاسع عشر، لكنه يُعاد اليوم بصيغة أكثر حداثة و واقعية.
لم تعد واشنطن ترى في العولمة فضاء مفتوحا بلا حدود ، بل ساحة صراع يجب ضبطها. الصين لم تعد شريكا اقتصاديا مزعجا، بل منافسا استراتيجيا ، والهجرة لم تعد قضية إنسانية أو اجتماعية ، بل ملفا أمنيا يمسّ صميم الدولة.
في هذا السياق ، لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية ، بل أدوات سيادة ، ولم تعد المؤسسات الدولية ساحات شراكة ، بل آليات انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح الأميركية وتُهمَّش حين تتحول إلى قيد على الهيمنة .
الخطاب القيمي الذي حكم السياسة الخارجية لعقود يتراجع ، ليحل محله منطق المصالح الصلبة ، حيث تُقاس الدول بوزنها لا بخطابها ، وبقدرتها على التأثير لا بمدى توافقها الأخلاقي.
أما ملف الهجرة ، فيُعد النموذج الأوضح لهذا التحول .
فما يُقدَّم اليوم على أنه سياسة متطرفة أو انقلابية ، ليس سوى تتويجا لتراكم طويل من النقاشات والدراسات والتوصيات التي عبرت إدارات متعددة ، جمهورية وديمقراطية على حد سواء . الجديد ليس الفكرة ، بل الجرأة على التنفيذ. و ترامب كان الشخص الأنسب لهذا الدور، لأنه لا يخشى الصدام ، ولا يتراجع أمام النقد ، ويقبل أن يكون ” الصدّام السياسي ” الذي تتلقى عليه المنظومة ضربات الرأي العام مقابل تحقيق أهدافها الكبرى .
الخطر الحقيقي يكمن في الاعتقاد بأن نهاية ترامب تعني نهاية هذا المسار. الواقع أن ما تغيّر ليس الاتجاه ، بل سقف الممكن السياسي .
لقد تم توسيع هذا السقف إلى حدّ باتت معه سياسات كانت تُعد محرّمة أو متطرفة، جزءًا من النقاش الطبيعي . ومن سيأتي بعد ترامب قد يكون أقل ضجيجا، أكثر انضباطا ، وربما أكثر فاعلية ، لكنه لن يكون خارج هذا المسار ، بل أكثر قدرة على ترشيده وتجميله .
بالنسبة للعالم العربي ، فإن هذا التحول ليس تفصيلا عابرا ، بل تغييرا عميقا في قواعد اللعبة .
حين تتراجع فكرة ” تصدير النموذج ” لصالح ” حماية النفوذ ” ، تصبح المنطقة خارج دائرة الوعود الكبرى ، وتدخل منطق الحسابات الباردة : توازنات إقليمية ، صفقات اقتصادية ، وتفاهمات تقوم على المصالح المباشرة لا على الشعارات .
إنها إدارة أقل أخلاقية في خطابها ، لكنها أكثر وضوحا في أهدافها.
في الخلاصة، ما نشهده اليوم ليس مجرد إدارة أميركية متشددة ، بل لحظة انتقال في السياسة الأميركية نفسها ، لحظة تعيد ترتيب الأولويات وتضع النفوذ في صدارة المعادلة.
هذا المسار لا يرتبط بشخص رئيس ، بل ببنية دولة قررت أن تعيد تشكيل علاقتها بالعالم .
وما بدأ اليوم ، لن ينتهي بتغيير ساكن البيت الأبيض ، لأنّه جزء من بنية الدولة نفسها ، وقد بدأ للتو في التحول إلى واقع لا يمكن تجاهله .

