بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تكن ضفائر المرأة الكردية يوما تفصيلا فولكلوريا بريئا أو زينة معزولة عن سياقها التاريخي ، بل شكّلت ، منذ زمن بعيد ، موقفا سياسيا صامتا في وجه سياسات الإلغاء والإنكار.
ففي جغرافيا حُكم عليها أن تكون ساحة صراع دائم ، لم تُمنَح المرأة الكردية ترف الحياد ، فاختارت أن تجعل من جسدها ، وصورتها ، وحتى شعرها ، مساحة للمقاومة .
في المجتمعات التي تعرّضت فيها الهوية الكردية لمحاولات الطمس والتفتيت ، تحوّل التمسك بالرموز الثقافية إلى فعل سياسي بامتياز.
كانت الضفيرة، بوصفها رمزا ضاربًا في الذاكرة الكردية ، إعلان انتماء واضح في مواجهة الصهر القومي والتهميش الممنهج .
لم تقاوم المرأة الكردية بالسلاح فقط ، بل قاومت أيضا بإصرارها على الظهور كما هي ، دون تنكّر أو اعتذار .
عندما دخلت المرأة الكردية معترك النضال الوطني و المقاومة ، لم تفعل ذلك من بوابة الخطاب الحقوقي المجرد ، بل من واقع اجتماعي صلب فرض عليها أن تكون في قلب الصراع لا على هامشه . ان مشاركتها السياسية والعسكرية لم تكن استثناء طارئا ، بل نتيجة تراكم تاريخي لدور جرى تجاهله رسميا ، لكنه ظل حاضرا وفاعلا على الأرض .
كانت الضفائر المشدودة تعبيرا بصريا عن هذا الدور : انضباط ، التزام ، واستعداد دائم للمواجهة .
سياسيا، شكّلت صورة المرأة الكردية المضفورة الشعر تحديا مباشرا للصور النمطية التي أرادت للمرأة الشرقية أن تكون إما ضحية صامتة أو كائنا منزوع الفاعلية. هذه الصورة أعادت تعريف المعادلة: امرأة واعية بهويتها، مشاركة في تقرير مصيرها ، دون أن تتخلى عن خصوصيتها الثقافية .
هنا تحديدا تكمن خطورتها الرمزية على الأنظمة التي تخشى المرأة حين تعي ذاتها ودورها.
لم تكن الضفيرة حيادية في زمن القمع . كانت تقول ، دون خطاب ، إن الجسد ليس ملكًا للسلطة ، وإن الهوية غير قابلة للمساومة ، وإن الفعل السياسي لا يمرّ بالضرورة عبر المنابر ، بل قد يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي ترفض الانكسار .
لذلك، حين تُقصّ الضفائر في لحظات الفقد ، لا يكون ذلك انسحابا من المشهد ، بل تحويلا للحزن إلى احتجاج ، وللجسد إلى بيان سياسي .
إن نضال و مقاومة المرأة الكردية ليست سعيا وراء بطولة استعراضية ، بل هو تثبيت الوجود .
انها مقاومة طويلة النفس ، تدرك أن الصراع الحقيقي لا يقتصر على الأرض ، بل يمتد إلى المعنى ، والصورة ، و الرمز ، وحق تعريف الذات .
لهذا اختارت المرأة الكردية، بضفائرها ، أن تكون جزءًا من هذا التعريف ، لا موضوعا خاضعا له.
هكذا ، تتحوّل الضفيرة من رمز ثقافي إلى أداة سياسية ، ومن عادة يومية إلى خطاب مقاومة . ليست زينة ، بل ذاكرة مشدودة ، تقول إن ما تماسك يوما تحت القهر، لن ينفكّ بسهولة.



