بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في الخامس عشر من أكتوبر عام 1963 ، دوّى في سماء تونس نداء النصر الأخير، معلنا رحيل آخر جندي أجنبي عن أرض عاشت طعم الاحتلال ، ثم كتبت بدم أبنائها عنوان الحرية والسيادة .
لم يكن ذلك اليوم صفحة عابرة في سجل التاريخ ، بل لحظة ميلاد وطنٍ اكتمل استقلاله ، وارتفع فيها علم تونس خفاقا فوق كل رموز القهر والوصاية .
يوم الجلاء ليس ذكرى عادية ، بل هو نبض الأرض حين استعادت أنفاسها ، وصوت الشهداء وهم يعلنون أن الحرية لا تمنح ، بل تنتزع انتزاعا.
هو ثمرة عقود من الصبر والنضال، وشهادة على أن إرادة الشعوب أقوى من مدافع الاستعمار وسجونه.
صاغ التونسيون مجدهم بأنامل الإيمان والإصرار، وكتبوا بعرقهم ودمائهم آخر فصول الكفاح من أجل الكرامة .
رمزية الجلاء لا تقف عند حدود الجغرافيا أو التاريخ، بل تمتد لتذكّرنا أن السيادة ليست مجرد انسحاب جيوش أجنبية ، بل قدرة دائمة على حماية القرار الوطني من كل أشكال التبعية ، أكانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية.
فكل جلاءٍ ماديّ لا يكتمل إلا بجلاءٍ فكريّ يُحرّر الوعي من قيود الاستلاب ويحصّنه من الهيمنة .
في كل عام، حين يطلّ يوم الجلاء ، تتجدّد في الذاكرة صورة تونس المرفوعة الرأس ، تونس التي لم تركع ، ولم تساوم، بل آثرت الشرف على السلامة والكرامة على التبعية.
هو يوم العهد المتجدّد مع الوطن، بأن تظل تونس حرّة الإرادة ، منيعة القرار، وفية ، مخلصة لدماء شهدائها الذين علّموا الأجيال أن الأوطان تُبنى بالعزيمة ، وتُصان بالحرية ، وتزدهر بالكرامة .




