بقلم – ابوبكر الصغير
يُقال عادة إن العصافير، حين يدنو أجلها، تختفي لتفنى بعيدا عن أعين الناس .
لا تريد أن يراها أحد وهي تموت ، كأنها تختار أن نحفظ لها صورة الزقزقة والتحليق لا صورة السقوط و النهاية .
كلما تذكرت هذه المقولة، استحضرت وجوها عديدة عرفناها و عايشناها في بلادنا .
رجال ونساء وطنيون خلص ، خدموا تونس بصدق، قدموا فكرا، نضالا ، مواقف، تركوا بصمات في المجتمع . لكننا استفقنا يوما لنجدهم قد انسحبوا من المشهد، صامتين، منزوين، كأنهم يتهيّأون لرحيل داخلي .
لم يختفوا لأن العمر هزمهم او اجسادهم خانتهم ، ولا لأن العطاء جفّ فيهم ، بل لأن اليأس حاصرهم .
لأنهم اصطدموا بواقع أصبح فيه الاختلاف تهمة، والفكر المختلف جريمة. واقع يوزّع الكراهية ببذخ كبير : كل من لا يسايرنا في رأينا نعتبره عدوا، وكل من يتجرأ على الخروج عن الصف نُغرقه في الحقد والنبذ والتشويه.
كم هو موجع أن ترى من ضحّوا لأجل هذا الوطن ينكمشون في الظل ، لا لأنهم تعبوا ، بل لأننا نحن تعبنا من الإصغاء، أو ربما لأننا لم نتعلم كيف نصغي .
أعرف و اعلم جيدا ، أن الحياة أمل، وأن الإعمار بيد الله، وأن الرحيل الحقيقي لا يكون إلا عندما نفقد الرغبة في النهوض .
لكن ما يقلقني هو أن نعتاد نحن على انسحاب و غياب هؤلاء، أن نُسلّم بأن العصافير رحلت ولن تعود، وكأن هذا وطن لا يحتمل إلا صخب الغربان .
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى أن نستعيد أصواتهم ، أن نسترجع شجاعتهم ، أن نتمسّك بما تركوه من أثر .
لأن تونس لا تُبنى بالصمت ولا بالانسحاب، بل بالإصرار على الحياة رغم كل قسوتها.
فليكن اختفاء بعض هذه الوجوه تنبيها لنا نحن ، أن لا نكرر الخطأ ذاته ، وأن لا نسمح للأمل أن يهاجر .
فالعصافير قد تختفي لتفنى … لكن الإنسان الحر يختفي ليعود أقوى ، ما دام الوطن يستحق حياة .



