تونس 29°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

في ذكرى ميلاد بورقيبة… حين كان العقل زعيما !.

بقلم – ابوبكر الصغير .

في الأسطورة الصينية يُروى عن ” كوب العدالة ” ، وهو وعاء شاي غريب في أسفله ثقب غير مرئي. لا يتسرّب منه شيء طالما لم يُملأ أكثر مما ينبغي، ولكن إذا فاض عن الحد، فإن كل ما فيه يتسرّب دفعة واحدة.
إنها حكمة دقيقة تختصر كثيرا من شؤون حياة الإنسان : فكلّما بالغ في الشيء، قولا أو فعلا ، ضاع منه كل شيء. حتى الموقف العادل، يحتاج إلى رجلين : رجل يتكلم، و رجل يفهم.
حين يكتب الرئيس خطابه أو يُكلّف بصياغته، فإن العنصر الحاسم ليس البلاغة ولا التلاعب بالألفاظ، بل الإقناع.
أول خطوة في أي خطاب رئاسي هي جذب الانتباه، ثم إثارة التفكير، خصوصا أمام جمهور اعتاد الخطب الرسمية، وأصبح يملك مناعة ضد التكرار.
في تاريخ تونس، لم تكن الخطب الرئاسية يوما مجرّد كلام يُلقى، بل كانت امتدادا لسلطة، وواجهة لعقيدة سياسية، بل في بعض الأحيان كانت أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. الزعيم الحبيب بورقيبة، مثلا و نحن نحيي ذكرى ميلاده ، لم يكن يُلقي خطبه على أنها واجب بروتوكولي، بل كانت تلك الخطب بمثابة مهرجانات إصلاحية وتربوية، تكرّس صورة القائد الأبوي الذي يحرص على تربية شعبه، وتوجيه سلوكهم، وتغيير عقلياتهم.
ومع مرور السنوات، بدا واضحا أن بورقيبة لم يكن فقط باني الدولة، بل الفاعل الثقافي والاجتماعي الأكبر فيها.
تميزت خطبه السياسية بخفة ظل، وارتجال ذكي، وصياغة محكمة، جعلت التونسيين يتابعون مسلسل التوجيهات الرئاسية على شاشة التلفزة لسنوات وكأنه جزء من يومياتهم.
كان بورقيبة قادرا على الجمع بين الجدية والطرافة، بين الرؤية الاستراتيجية والنكتة العابرة، وكل ذلك بأسلوب مباشر لا يخلو من سحر الزعامة.
على النقيض، جاء الرئيس زين العابدين بن علي بخطاب مكتوب، مقتضب، بارد في نبرته، مضبوط بإيقاع محسوب سلفا . خضع كل خطاب له لتحرير جماعي داخل دوائر الدولة، وغالبا ما استعان معدّوه بآراء شخصيات من خارج الفضاء الرسمي ، وهو أمر طريف في ظاهره، لكنه يعكس انفصالاً بين المتحدث والمضمون، حتى صار الخطاب أداة إعلامية لا سياسية، ومناسبة للإبلاغ لا للإقناع.
لم يترك بن علي بصمة خطابية تُذكر، رغم بقائه لعقود في الحكم.
ثم جاء منصف المرزوقي، ذلك المعارض السابق وصاحب التجربة الحقوقية والفكرية. اعتمد في خطبه على الارتجال ، لكنه سقط في مطبات متعددة كلّفته سياسياً الكثير.
لقد ظنّ أن الحرية وحدها تصنع خطيبا جيدا ، لكنه نسي أن الخطاب الرئاسي فن معقد، يتطلّب إعدادا دقيقا وتوازنا بين العفوية والاحتراف.
أما الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فقد أعاد إلى المشهد شيئا من روح بورقيبة، ليس فقط في الشكل، بل في المضامين والأسلوب. كان خطابه عقلانيا، متماسكا، يجمع بين نبرة النخبة السياسية والتجربة الطويلة في إدارة الدولة. مزج بين الواقعية والسخرية، بين الحنكة والخبرة، واستطاع أن يقدّم صورة الزعيم المحنّك، لا المتكلّف.
رغم اختلاف الأساليب، فإن ما يجمع بين هذه التجارب هو محاولة التحدث إلى عقل المواطن، لا إلى عاطفته فقط. كلّ رئيس، على طريقته، سعى إلى رسم خطابه بما يعكس تصوّره للدولة والمجتمع والتاريخ. لكن السؤال الأهم: هل نجح الخطاب الرئاسي، رغم اختلاف مدارسه، في أن يكون أداة بناء حقيقية؟ أم أنّه ظل في النهاية مجرد واجهة تزيينية لنظام حكم؟ .
وفي لحظة نعود فيها إلى بورقيبة، لا يمكن أن نغفل عن موقفه الشجاع من قضية فلسطين، التي تُعاد اليوم قراءتها بعين عاطفية في زمن الانفعالات. تتجدّد الدعوات، في ظل الكوارث والدمار، إلى تحرير فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، كطرح مطلق يرفض كل ما صدر عن المجتمع الدولي منذ القرار 181 المتعلّق بالتقسيم عام 1947. لكن مثل هذا الطرح لا يعني سوى إعلان قطيعة تامة مع الشرعية الدولية، وتبنّي خيار يستند فقط إلى الانفعال، لا إلى ميزان القوى أو حسابات الواقع.
حين تجرّأ بورقيبة، في خطابه التاريخي الشهير بأريحا عام 1965، على دعوة الفلسطينيين لقبول قرارات الشرعية الدولية والدفاع عن حقوقهم في حدود الممكن، أحدث صدمة مدوية. لم يكن يبيع القضية، بل كان يرى أبعد منها، ويخطط لما بعد الانفعال، ويفكر بعقل بارد في زمن القلوب المشتعلة. وقد فهمت إسرائيل خطورته جيدا ، إلى درجة أن رئيسة وزرائها غولدا مائير وصفته بالعدو الأخطر، لا لأنه حمل السلاح، بل لأنه حمل فكرة قد تنتصر على السلاح.
اليوم، بعد مرور عقود على ذلك الخطاب، تتأكد الحقيقة: ليست الخطب النارية وحدها هي التي تُحرّر الأوطان، بل الحكمة السياسية، والرؤية المتزنة، والقدرة على تحويل المبدأ إلى مشروع قابل للتحقيق.
المبالغة في المواقف، مهما كانت عادلة، قد تفقدنا كل شيء. والتاريخ لا يرحم من يكتفي بالصراخ.
فكما لا يحتفظ كوب العدالة الصيني بما فاض عنه، لا تحفظ الشعوب من ضيّع الفرص باسم المزايدة. الحكمة الحقيقية أن نتّعظ من التاريخ، ونفهم أنّ المستقبل لا يُصنع بالعاطفة وحدها، بل بالعقل، ثم بالعقل، ثم بالعقل.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية