تونس 29°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

أين صانعو الأسئلة الكبرى ؟ .

بقلم – ابوبكر الصغير .

في زمن تتصارع فيه التفاهات على صدارة المشهد، وتُختطف فيه المنابر الإعلامية من قبل الطارئين على الفكر، يغيب الحكماء والمفكرون والمثقفون الحقيقيون عن المشهد، أو يُقصون بوعي كامل من الفضاء العام، فيتحول الفراغ إلى صمت ثقيل، ويعلو ضجيج لا يملك من النخبة إلا الإسم.
اذ أصبح من المألوف أن تُفتح المنابر و ميكروفونات الإذاعات وشاشات القنوات لمن لا يمثلون شيئا من جوهر النخبة.
فبدل أن يكون المثقف هو مرآة العصر وضمير الأمة، صار في نظر بعضهم مجرد ديكور لإضفاء شيء من الجدية الزائفة على برامج الترفيه الرديء . وبهذا الشكل، لم يعد الجمهور يفرّق بين مفكرٍ حقيقيٍ، و مؤثر يتحدث بلغة مستعارة من عناوين فيسبوك.
لكن، من هو الحكيم؟ من هو المفكر العظيم؟ أهو ذاك الذي يراكم المعارف والدرجات العلمية، أم هو ذاك الذي يرى ما لا يُرى، ويشعر بما لا يُقال، ويتحدث بلسان المستقبل في زمن لم يستوعبه بعد؟ الحكيم ليس مجرد عقل واسع، بل هو وعيٌ كوني، ينتمي إلى الوعي الجمعي بقدر ما ينتمي إلى ذاته. يعرف الصواب بشكل عفوي، يتصرّف بحكمة لأنه اتّحد بالعقل الأكبر، عقل الكون.
الحكيم هو رجل سابق لعصره، يضيء الطريق حيث يعم الظلام، ويزرع الأسئلة في أرض أرهقتها الأجوبة الجاهزة.
لكن، هل لايزال بيننا من يشبه هؤلاء؟ هل لا تزال فينا تلك الأرواح التي تخلّق في رحم الفكر النقيّ، وترفض التماهي مع القطيع؟ هل يمكننا القول إنّ هناك مفكرين اليوم سبقوا زمانهم، أو على الأقل قاوموا الرداءة التي غمرت كل شيء؟ .
يبرز المفكرون الحقيقيون دائما في لحظات التحول الكبرى، عندما تضطرب القيم، وتنهار الأطر التقليدية، وتصبح الشعوب في حاجة ماسة إلى من يرسم لها معالم الطريق.
في مثل هذه اللحظات، يصبح للمفكر دور رسولي، يتخطى التحليل إلى التأثير، ويتجاوز النقد إلى البناء.
وإذا نجحت الثورات العربية في شيء، فهو قتل الإبداع ، وخنق النخبة، ونشر الرداءة والشعبوية بلباس ثوري زائف .
أصيبت النخبة العربية، ومنها التونسية، بصدمة حضارية حقيقية.
لم يعد لها مشروع واضح، فاختارت الانكفاء أو الهروب نحو مجالات ضيقة بحثًا عن متنفس لا عن تغيير. وبينما كان الوطن يشتعل بالتحولات، كانت النخبة تلهث وراء الأمان الشخصي، تُداري حضورها المتآكل عبر مساهمات مشتتة لا ترقى إلى مستوى اللحظة التاريخية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك أسماء تونسية، و رغم كل الظروف ، لا تزال تُنتج وتفكر وتحاول أن يكون لها أثر : فتحي التريكي، عفيف البوني ، محمد الحداد، حمادي بن جاب الله ،عبد المجيد الشرفي، الهادي التيمومي، عياض بن عاشور ،علي اللواتي، رضا مامي ، محمد الهاشمي بلوزة، آدم فتحي، حذامي محجوب، المولدي لقسومي ، حمادي الرديسي، حسين فنطر، عبد الجليل التميمي، المازري الحداد ، ألفة يوسف، رشيدة التريكي ، رجاء بن سلامة، هالة وردي، فتحي بن سلامة، فوزية الزواري، أبو يعرب المرزوقي. محمد المي ، حاتم النفطي ، زهير الهاشمي ، حسن الشعري الخ … وغيرهم كثير ممن يستحقون التحية والاعتذار عن عدم ذكر أسمائهم.
لكن يبقى السؤال الجوهري : من يصنع النخبة؟ من يصقل هؤلاء الحكماء؟ هل هو المجتمع الثقافي؟ السلطة الثقافية؟ الإعلام؟ أم أن الأمر يُترك للصدفة والمبادرات الفردية التي غالبًا ما تُجهض قبل أن تُزهر؟.
الحقيقة أن لا إبداع بدون همّ فكري، ولا تنوير بدون قلق وجودي، ولا فكر عميق بدون شعور داخلي بالرسالة. المثقف الحقيقي ليس بوقا، ولا مرآة للواقع، بل هو كاشفٌ للباطن، وبان لجسور الأمل في بحر من اليأس.
الحكيم، كما الأعمى الذي لا يخطو خطوة دون عصاه، يعرف أن المعرفة الحقيقية لا تتأتى إلا بالتأمل والصبر والاختبار.
هو من يبني جسرين من الأمل في نهر من الإحباط ، لأنه يرى النور في نهاية النفق، حتى عندما يرفض الجميع تصديق وجود النفق أصلا .
إننا اليوم، في أمسّ الحاجة إلى استعادة قيمة المفكر، ودور النخبة، وعظمة الحكيم.
لا بوصفهم حضورا ضروريا او نجوما تزيّن شاشات التلفزة، بل بوصفهم مرشدين في زمن الضياع، وأصواتا حرة في عصر الصمت الجماعي.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية