تونس 22°C

21 أفريل 2026

تونس 38°C

21 أفريل 2026

الذكاء الاصطناعي : حين تتحوّل الهيمنة التكنولوجية إلى عقيدة رئاسية.

بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في 23 يوليو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة طموحة تهدف إلى تحويل الولايات المتحدة إلى القوة الأولى عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي.
إعلانٌ لم يكن تقنيا بحتا، بل كشف عن ملامح تحالف جديد بين السلطة السياسية في واشنطن ووادي السيليكون، وقطع نهائي مع نهج إدارة بايدن، التي اتسمت بالحذر والتنظيم التدريجي.
ترامب اختار منصة غير تقليدية للإعلان : بودكاست المستثمر ديفيد ساكس، حيث كشف عن توقيعه لثلاثة مراسيم رئاسية ضمن خطة تمتد على 23 صفحة، تؤمن بأن التفوق في الذكاء الاصطناعي بات حجر الزاوية في الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية.
في واحدة من عباراته المثيرة، قال : ” لا أحب أن يُسمى اصطناعيا… إنه عبقرية خالصة ” . بهذا المنطق، يتحول الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية إلى عقيدة قومية، بل إلى ما يشبه ” قضية سيادة ” حسب ما ورد في الوثيقة الرسمية.
تسعى الخطة إلى تسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي عبر إزالة العوائق التنظيمية والبيئية، وتوسيع البنية التحتية من خلال مراكز بيانات ضخمة تدعمها مشاريع طاقة، وتسهيل التراخيص الحكومية.
كما وعدت الإدارة بالكشف عن 90 إجراء إضافيا في المستقبل القريب، في سباق تكنولوجي محموم مع الصين التي صعدت بقوة عبر نموذجها “ديبسيك” المنافس لـChatGPT.
في هذا الإطار، لا يقتصر المشروع على الداخل الأمريكي. فالبُعد الجيوسياسي واضح، من خلال ما وصفته الوثيقة بـ ” الجهد الدبلوماسي ” لتصدير النموذج الأمريكي إلى الخارج، بدعم من وكالة التنمية الدولية والبنك الأمريكي للتصدير والاستيراد.
وفي مشهد رمزي ذي دلالة، ظهر سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة OpenAI، إلى جانب ترامب، للإعلان عن مشروع Stargate العملاق بالشراكة مع ” سوفت بنك ” اليابانية، بقيمة 100 مليار دولار. غير أن المشروع، حتى الآن، لم يُثمر إلا مركز بيانات واحد في ولاية أوهايو.
الجانب الأكثر إثارة للجدل يتمثل في الطابع الأيديولوجي للخطة. إذ تهدف الإدارة إلى تطهير نماذج الذكاء الاصطناعي من ما تعتبره ” تحيّزات يسارية ” ، تحت شعار محاربة ” البرمجيات الوُوك ” التي تراعي العدالة الاجتماعية والهوية الجندرية والعرقية. بذلك، تُستبدل المعايير الأخلاقية في البرمجة بمعايير حزبية، وتُحوّل التكنولوجيا إلى ساحة نزاع سياسي مفتوح.
ردود الفعل لم تتأخر. أكثر من مئة منظمة أمريكية وقّعت بيانًا يطالب بوضع ” خطة شعبية ” للذكاء الاصطناعي، تُقدّم مصالح المواطنين على أرباح الشركات. وانتقدت منظمة Public Citizen المشروع باعتباره ” خضوعًا صريحًا للنفوذ الصناعي ” ، في حين تساءلت أمبا كاك، الباحثة في معهد AI Now، عن تأثيرات هذه السياسات على البيئة، والعمل، والحريات، واعتبرت أن تبرير كل شيء بذريعة ” الخطر الصيني ” لم يعد مقنعا.
مفارقة لافتة أن إدارة بايدن كانت قد طرحت عام 2023 سياسة ” الاستخدام المسؤول ” للذكاء الاصطناعي، إلا أن نغمة الهيمنة والانفلات غلبت على أي محاولات للضبط، حتى تلاشى خطاب ” المسؤولية ” من وثائق البيت الأبيض.
ما يجري في الولايات المتحدة لا يُعدّ مجرد تنافس تكنولوجي، بل يعكس تحوّلاً أعمق في العلاقة بين الدولة والسوق، بين التقنية والقيم، بين السلطة والخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة اقتصادية فقط، بل أضحى آلية لإعادة هندسة المجتمع، وضبط السلوك، وإعادة صياغة النفوذ الجيو – سياسي بلغة الكود وبيانات المستخدم.
فهل نحن أمام نظام عالمي يُعاد تشكيله بخوارزميات أمريكية؟
أم أننا دخلنا فصلا جديدا من سباق الإمبراطوريات، حيث تحلّ سلاسل الذكاء محل سلاسل الإمداد، والخوادم بدل الأساطيل؟

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية