بقلم – أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في عالم مثقل بالنزاعات المسلحة، والانهيار الأخلاقي، وتآكل العدالة، يعلو صوت البروفيسور بومدين بن يحيى بوصفه مفكرا، حقوقيا، ودبلوماسيا روحيا، حاملا مشروعا فريدا يدعو إلى الاعتراف بالسلام كحق إنساني أنطولوجي، كوني، وملزم قانونيًا.
هذا النداء ليس مجرد طموح فلسفي، بل ثمرة مسار أكاديمي وحقوقي امتد لأكثر من خمسة عشر عاما، جسّده مؤخرا في بيان حقوقي شامل يُطالب بإدراج السلام ضمن قائمة الحقوق الأساسية التي يجب أن تكون قابلة للتقاضي والمساءلة الدولية، شأنها شأن الحق في الحياة أو التعليم أو الكرامة.
- رؤية قانونية وروحية شاملة .
البروفيسور بن يحيى، الخبير في علم السلام (الإيرينولوجيا)، والإسلاميات، وحقوق الإنسان، والدبلوماسية الروحية، يضع في هذا البيان خلاصة عمله في مشاريع دولية كبرى، مثل برنامج Faith for Rights التابع للأمم المتحدة، ومساعيه من أجل ترسيخ حرية المعتقد في السياقات القانونية الدولية.
ويؤكد أن السلام ليس ترفا ولا أمنية، بل حق أصيل متجذر في الكرامة الإنسانية، لا يمكن أن تكتمل منظومة الحقوق بدونه. إنه دعوة إلى الاعتراف بأن غياب الحرب لا يعني بالضرورة وجود السلام، فالأخير يتطلب عدلا وهيكلا قانونيا يحميه ويُحاسب على انتهاكه. - ثلاثية الدافع: الروح، القانون، والأخلاق .
جاء البيان، بحسب البروفيسور، بدافع ثلاثي الأبعاد: روحاني، قانوني، وأخلاقي. فالمواثيق الدولية الحالية، رغم تعددها، تتحدث عن السلام كغاية أو هدف، لا كحق مُلزم يمكن المطالبة به قانونيا. وهذا، من وجهة نظره، يمثل ثغرة خطيرة تُقوّض فعالية النظام الحقوقي العالمي، وتُعمّق الفجوة بين النصوص القانونية ومعاناة الضحايا. - من الحق إلى الواجب القانوني .
يشدد بن يحيى على أن السلام هو الركيزة الأساسية لكل الحقوق الأخرى: فلا حياة، ولا تعليم، ولا صحة، بدون أمن وسلام. ويُذكّر بأن العالم شهد سنة 2025 ما يقرب من 60 نزاعا مسلحا نشطا، بحسب بيانات جامعة أوبسالا، وهو مؤشر خطير على اختلال التوازن العالمي.
ويرى أن المادة 28 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على الحق في نظام عالمي عادل، تُعزز هذا الطرح، مؤكدًا أن ” لا نظام دون سلام ” . ومن هذا المنطلق، فإن مطلبه لا يُعدّ مثاليا، بل ضرورة قانونية عاجلة لتحديث البنية الحقوقية الدولية. - السلام بوصفه قيمة روحية كونية .
يتميّز طرح بن يحيى عن المفهوم التقليدي للسلام، الذي يُختزل غالبًا في غياب الحرب بين الدول. فبالنسبة له، السلام هو حالة وجودية من التوازن والعدالة والكرامة، ومشترك روحي أصيل في جميع الديانات الكبرى:
• في الإسلام: السلام من أسماء الله.
• في اليهودية: لم تُعطَ التوراة إلا من أجل السلام .
• في المسيحية: طوبى لصانعي السلام .
• في البوذية والهندوسية: تتجلى مفاهيم ” شانتي ” و ” أهِيمسا ” كقيم جوهرية.
من هنا، يدعو البروفيسور إلى نقل هذا البعد الروحي إلى مستوى القاعدة القانونية العالمية، باعتباره متجذرا في الضمير الإنساني عبر العصور. - تحديات سياسية وهيكلية .
لا يُخفي بن يحيى حجم التحديات التي تعترض سبيل هذا المشروع. أولها التخوّف من أن يؤدي الاعتراف بالسلام كحق قانوني إلى تقليص سيادة الدول، وثانيها غياب الآليات القانونية الرادعة لحماية هذا الحق. لكنه يرى أن مسار التاريخ الحقوقي أثبت إمكانية إدراج حقوق كانت تُعد يومًا ما ” طوباوية ” ، مثل الحق في بيئة سليمة، ضمن الإطار القانوني.
ويستشهد بدعوة القاضي شيلي إيبوي-أوسوجي، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، لإبرام معاهدة دولية جديدة تُكرّس السلام كحق قانوني. - آليات التنفيذ: من المحاكم إلى لجنة أممية . يقترح البروفيسور آليتين رئيسيتين لضمان فعالية هذا الحق:
- توسيع صلاحيات المحاكم الدولية القائمة (كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) لتشمل النظر في انتهاكات السلام الجسيمة مثل الحروب العدوانية والاحتلال.
- إنشاء لجنة دولية لحق السلام على غرار لجان الأمم المتحدة، تتلقى الشكاوى وتُحقق وتُصدر التوصيات.
ويُذكّر بالمبدأ القانوني: ” حيث يوجد حق، يجب أن توجد وسيلة للإنصاف ” (ubi jus, ibi remedium).
- تحالف القانون والروح .
في تصوره، يجب أن يتأسس الاعتراف بالسلام على تحالف بين القانون والدين، حيث تلعب الزعامات الروحية دورا محوريا في نشر ثقافة السلام، شريطة فهم الأديان في جوهرها لا في تحريفها. فالإسلام (سلام)، واليهودية (شالوم)، والمسيحية (باكس)، والهندوسية (شانتي)، كلها تقدم روافد لسلام يتجاوز الغياب المادي للعنف إلى حضور روحي وأخلاقي فعال.
ُ وقد جسّد هذه الرؤية في مشاريعه منذ 2010، من خلال حوارات الأديان والعمل التعددي في المحافل الدولية. - جائزة غاندي للسلام: تكريم للقضية .
رُشّح البروفيسور بن يحيى مؤخرا لنيل جائزة غاندي للسلام لعام 2025، ضمن جوائز International Star Excellence Awards. ويعتبر هذا الترشيح تكريما للقضية التي يدافع عنها أكثر من كونه تكريما لشخصه، خاصة وأن الاقتران باسم غاندي – الذي قال إن ” السلام هو الطريق ” يُضفي على نضاله بعدا رمزيا وروحيا إضافيا.
ويختم تصريحه بالتأكيد على أن هذه اللحظة تمثل فرصة لتوسيع دائرة البيان وتحفيز المؤسسات والمجتمعات على تبني رؤية واضحة: - سلامٌ قائم على الكرامة، مؤطر قانونيًا، ومُغذّى بالروح.
رؤية يعتبرها امتدادا لما أسماه محيي الدين بن عربي ” دين المحبة ” : دين عالمي، مسؤول، وفاعل في خدمة الإنسان.



