تونس 20°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

الصين في زمن الأزمات : لاعب اقتصادي ثقيل بظلال سياسية خفيفة .

بقلم: أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

رغم كونها الشريان الاقتصادي الأهم لإيران، تواصل الصين التزام الحياد في واحدة من أكثر اللحظات توترا في الشرق الأوسط، مكتفية بخطاب دبلوماسي محسوب دون خطوات عملية توازي مكانتها أو مصالحها المتشابكة في المنطقة.
ما تقدّمه بكين هو مقاربة مختلفة تماما : لا تحالفات عسكرية، لا تدخل مباشر، فقط إدارة باردة للمصالح.
في لهجة غير مألوفة، عبّر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن قلق بلاده من التصعيد الإسرائيلي تجاه إيران، خلال قمة إقليمية في كازاخستان يوم 17 جوان ، قائلا : ” العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران أدت إلى تصعيد مفاجئ للتوترات في الشرق الأوسط، وهذا يثير قلق الصين بشدة. نحن نعارض أي عمل يمس بسيادة الدول الأخرى “؟. سبق ذلك اتصال هاتفي لوزير الخارجية وانغ يي بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، نقل خلاله انزعاج بكين، ثم اتصال آخر بنظيره الإيراني عباس عرقجي، لتأكيد وقوف بلاده إلى جانب طهران.
في الوقت ذاته، أصدرت السفارات الصينية في طهران وتل أبيب تعليمات لمواطنيها بمغادرة البلدين ” في أقرب وقت ممكن ” ، ما يعكس خشية حقيقية من اتساع رقعة الصراع.
لكن رغم هذه الرسائل، لا يبدو أن الصين مستعدة لتجاوز عتبة الخطاب إلى ساحة الفعل. فهي تفضل البقاء في ” منطقة الراحة الدبلوماسية ” ، تندد وتحذر، لكنها لا تتدخل .
هذا الموقف ينسجم مع فلسفة سياسية صينية تعارض منطق التحالفات العسكرية والانخراط في المحاور، الذي تقوده الولايات المتحدة على مستوى عالمي.
صحيح أن الصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل هي الشريك التجاري الأول لإيران، وتشتري نحو 90% من صادراتها النفطية. لكن هذه الشراكة تُدار بسرّية وتعقيد، حيث تُشحن البراميل من جزيرة خرج، وتُعاد تعبئتها قرب ماليزيا، قبل أن تصل إلى مصاف صغيرة في الصين تعرف بـ ” المصافي الإبريقية ” ، بهدف التحايل على العقوبات الأمريكية وحماية الشركات العملاقة مثل ” سينوبك ” و ” بتروتشاينا ” .
في المقابل، تنسج بكين علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع قوى إقليمية كالسعودية وتركيا والإمارات، ما يدفعها إلى الحذر الشديد في الانحياز لطرف على حساب آخر.
وقد أظهرت هذا التوازن بدقة في مارس 2023 عندما رعت استئناف العلاقات بين الرياض وطهران، في مشهد أرادت من خلاله ترسيخ صورتها كوسيط عالمي لا كطرف في النزاع .
ورغم النجاحات الرمزية في الملف الدبلوماسي، لا تزال الصين تتفادى التدخل المباشر في الأزمات.
التدخل العسكري بالنسبة لها مخاطرة مكلفة، وقد تعرّض مصالحها التجارية والسياسية للخطر.
لذا تترك لبقية اللاعبين، وعلى رأسهم واشنطن، مهمة إدارة الملفات الساخنة.
حتى التعاون العسكري بين بكين وطهران، كالمناورات الثلاثية مع روسيا في خليج عمان، لا يرقى إلى مستوى تحالف استراتيجي واضح.
تشير تقارير إلى مساعدات صينية خفية لإيران في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكنها تجري بعيدا عن الأضواء، حرصا على عدم إحراجها دوليا.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم معزولة أكثر من أي وقت مضى، في حين تواصل إسرائيل تعزيز قوتها العسكرية بدعم أمريكي مكشوف.
أما الصين، فتواصل لعب دورها الخاص، الذي لخصه البروفيسور شي يينهونغ من جامعة الشعب في بكين بقوله: “؟الوضع الحالي لا يخدم مصالح الصين ولا يتماشى مع فلسفتها، لكنه –للأسف– واقع لا تستطيع تغييره ” .
وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تبقى بكين وفية لنهجها الخاص : تجنّب الاصطفافات، واحتراف ضبط المصالح بأعصاب باردة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية