بقلم – ابوبكر الصغير
ماذا أفادت النعرات القومية والدينية أمتنا ؟.
أليست هي مصدر كل تخلفنا وكل هزائمنا ؟ .
شعارات وصراخ وتهديد ووعيد، لا إنجاز واحد لشعوبنا العربية ! .
سؤال حارق ، مؤلم، لكنه حتمي.
سؤال يصرخ في وجه كل من ما يزال يردد شعارات لم تطعم جائعا، و لم تحرر أرضا، ولم تنقذ وطنا من الانهيار.
بعد قرن من التجريب، آن الأوان للاعتراف: القومية العربية والإسلام السياسي تحوّلا من مشروعَيْ نهوض إلى أدوات تجهيل وتمزيق و خراب ، بل إلى عبء حضاري قاتل.
الفكرة القومية: حلم جميل تحول إلى كابوس .
بدأت كمشروع تحرّري لمواجهة الاستعمار، ما لبثت أن تحوّلت إلى أداة استبداد وتخوين.
من عبد الناصر إلى البعثيين، حُكمت شعوب كاملة باسم الوحدة العربية فيما كانت تمارس عليها أبشع أنواع القمع والتجويع.
باسم كرامة الأمة ، خسرنا معارك و حروبا لم نكن مستعدّين لها، دخلنا صراعات لم نكن نملك أدواتها.
بل إن القومية ، بما تحمل من نزعة إقصائية ، فشلت حتى في جمع العرب أنفسهم : عرب المشرق ضد عرب المغرب، والخليج . إنها قومية مفصّلة على مقاس الأنظمة، لا الشعوب.
الإسلام السياسي: من شعار العدالة إلى حفلات التكفير ، وعد الناس بالعدالة والحكم الراشد، فقد قدّم نموذجا كارثيا في الحكم، من طالبان إلى داعش، ومن جماعة الإخوان إلى نسخها المعدلة في تونس والسودان. كل تلك التيارات رفعت شعارات ” الإسلام هو الحل ” ، ثم ما لبثت أن أثبتت أنها جزء من المشكلة ان لم تكن الكلّ .
الإسلام السياسي لم يكتفِ بالفشل في الحكم، بل مزّق المجتمعات طائفيا ومذهبيا ، وأعادنا قرونا إلى الوراء. لم يكن مشروع عدالة، بل مشروع سلطة، تسكنه أحلام الماضي لا تحديات المستقبل.
هزيمتنا الحضارية ، ان نقاتل بأدوات ميتة .
الهزائم التي تتوالى على العرب لم تعد فقط عسكرية أو اقتصادية، بل هي هزيمة حضارية كاملة مستوفاة كل ّ الشروط .
نحن نعيش داخل خطاب مأزوم، يعيد إنتاج نفسه منذ قرن، بينما تتقدّم الأمم الأخرى بالعلم والحرية والانفتاح والتجريب و سياسات الاعتدال .
في زمن الذكاء الاصطناعي، ما زلنا نناقش موضوع الخلافة ، وفي عصر الأقمار الصناعية ما زلنا نختلف حول الفتوحات و مواعيد حلول الاشهر الهجرية و الاعياد .
أما الجامعات والمصانع ومراكز البحث العلمي؟ فهي غائبة تماما عن المشهد ، لا تنتج الاّ مزيد من التخلّف و لا تنتصر الاّ لهزيمة .
هل آن الأوان لإعلان موت القومية والإسلام السياسي ؟ الجواب باختصار: نعم، وبكل وضوح.
لقد آن الأوان لننزع الغطاء المقدّس عن مشاريع أثبتت إفلاسها.
لا مستقبل لأمة تحكم بالشعارات و بالنعرات ، ولا نهضة ممكنة حين يكون الدين مطيّة للوصول إلى الحكم أو حين تُختزل القومية في صراخ و صوت عال بلا مشروع.
البديل؟ فكر عقلاني، ديمقراطي، مدني، يحترم الدين دون أن يسجنه في السياسة، ويستند إلى الهوية دون أن يحوّلها إلى سلاح.
البديل ، نهضة بالعلم، لا بالأوهام. وحدة بالمصالح المشتركة، لا بالخطابات الحماسية.
نحن أمة تهرب من مواجهة الحقيقة. نفضّل أن نعلّق فشلنا على الآخر، على المؤامرة و التآمر و الخيانة ، على الاستعمار ، على العدو الصهيوني و الاخر الاجنبي الغربي . لكن متى نحاسب أنفسنا؟ متى نعترف أن الهزيمة تبدأ من داخلنا ؟
ربما يكون أصعب ما في التاريخ أن تعترف أمةٌ بأن ما ظنّته طريقا إلى المجد، كان طريقا إلى خرابها و هزيمتها .
لكن الاعتراف هو بداية الشفاء.
وإن أردنا مستقبلا حقيقيا ، فعلينا أن ندفن تلك الأوهام الكبرى، لا أن ن نرممها .


