بقلم : أبوبكر الصغير.
في لحظات الاحتقان الكبرى ، حين ترتفع الأصوات وتشتعل المنابر وتتحوّل الساحات الافتراضية إلى جبهات، يصبح أبسط المواقف أكثرها تكلفة : ان تعلنها و تقول لا للعدوان ، و لا للولاء الاعمى في آن واحد .
موقفي صريح، واضح، لا مواربة فيه : ارفض بشكل قاطع اي عدوان إيراني على دول عربية شقيقة .
و أرفض، بالقدر نفسه، ذلك الانجرار خلف الاصطفاف العقائدي الذي يضع إيران في موقع “ الضحية الدائمة ”، ظالمة كانت أو مظلومة، وكأنّ الانتماء لهذه المنطقة يفرض عليك أن تستقيل بعقلك وتُسلم تضامن اعمى مفتوح على بياض.
هذه العقلية ليست جديدة .
لقد رأيناها في التسعينيات حين انجرف البعض في تاييد عراق صدام حسين بعد غزو الكويت ، بلا تفكير ولا بصيرة ، فدُفعت الأوطان أثمانا باهظة ما تزال آثارها معنا حتى اليوم.
التاريخ لا يكرر نفسه، لكن الخطايا قد تتكرر احيانا باسماء جديدة .
المؤلم حقا ، أن كل صوت عربي يدعو اليوم إلى تجنب توسيع الحرب ، يُتّهم بالاصطفاف مع “ العدو ”، فقط لأنه يرفض أن يتحول العالم العربي مجددًا إلى ساحة نار بالوكالة .
لا أحد يريد لهذه المنطقة مزيدا من الدمار، ولا أحد يحتاج حربا إضافية كي يكتشف أن مستقبلنا هشّ ، واقتصاداتنا متعبة ، وأن قدرات دولنا العربية لا تحتمل نزيفا جديدا.
لكنّ المجتمعات المشحونة عقائديا و قوميا تُنتج دائمًا خطابًا واحدا : خطاب العنف ، و القوة، و الثأر، والغضب الذي يسخر من التهدئة ويحتقر الحكمة ويصوّر التعقّل على أنه استسلام و هزيمة .
إنها عقلية تجعل النقاش كله يتحوّل من بحث عقلاني في المصالح والنتائج إلى استعراض عضلات رمزي لا يفيد إلا من يخططون للحرب من بعيد .
ولفهم هذه الظاهرة، لا بدّ من الاعتراف بأن الاحباط المتراكم لدى شعوب المنطقة يُغري البعض بتصديق أن “ الانتقام ” قوة، حتى حين تكون نتائجه كارثية. وكي تُكتمل الصورة، تظهر سردية جاهزة وسهلة: لتتّهم دول الخليج بانها خائنة ، سردية مُريحة لدى البعض ، نعم، لكنها لا تعكس الواقع في شيء و لا تُشبه الحقيقة .
كيف نتجاهل حقيقة أن دولا شقيقة مثل السعودية و الإمارات و الكويت و قطر ، كانت ولا تزال ، سندا مباشرا لمعظم الدول العربية في لحظات الشدة ؟
كيف لا نتذكّر القروض، والمساعدات، والاستثمارات، و عشرات الالاف من الكفاءات و العائلات التونسية التي تعيش وتعمل هناك بكرامة واستقرار وتسهم في نهضة تلك البلدان وتعود بخيرها إلى وطننا ؟.
في المقابل… ماذا قدّمت إيران للعرب طوال نصف قرن؟
حربٌ مدمّرة مع العراق، وتدخّل مباشر أو غير مباشر في سوريا واليمن ولبنان والعراق.
بل وأكثر من ذلك : ها نحن نرى اليوم مواقف الصمت المريبة و الحياد المشبوه لأذرعها من فصائل وميليشيات الموالية كحماس، و حزب الله، و الحوثيون، و الحشد الشعبي ، رغم أنها نفسها من صنعتهم.
أتحدّث عن هذه التطورات بعمق لأنني كنتُ من بين الذين ساهموا في إعداد ونشر الكتاب الفرنسي حول ” أخطبوط حزب الله و المد الشيعي الإيراني في العالم ” وأعرف جيدًا تفاصيل هذا المشهد وتشابكاته وتعقيداته.
وأعرف، كما يعرف كلّ من يتابع بوعي ، أن الاستقطاب الحاد يفقد الناس بصيرتهم ويصنع أعداء وهميين وولاءات عمياء.
لسنا ضدّ أحد، ولسنا مع أحد.
نحن فقط مع حق شعوبنا ألا تحرق مجددا بنيران صراعات ليست صراعاتها ، ومع حق أمتنا العربية في تجنّب دمار إضافي.
لسنا في معركة ثأر شخصي، ولسنا في اختبار ولاء عقائدي، ولسنا ملزمين بأن نكون أبطالا في حروب الآخرين.
ما نطلبه امر بسيط: قليل من العقل… قليل من الرصانة… قليل من الحكمة.
فالأمم لا تُبنى بالغضب، ولا بالانتقام، ولا بالصراخ.
الأمم تُبنى حين نختار الحياة بدل الموت، والنهضة بدل الخراب، والوعي بدل العمى .


