تونس 23°C

19 فيفري 2026

تونس 38°C

19 فيفري 2026

منية عمّار… قاضية تونسية في قلب العدالة الدولية.

بقلم ا. حذامي محجوب.

من تونس، حيث تتقاطع التجربة القانونية العريقة مع الالتزام الحقوقي الصارم، تشقّ القاضية منية عمّار طريقها إلى واحدة من أكثر الهيئات الأممية حساسية وتعقيداً: لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الجمهورية العربية السورية. تعيينها عضواً في هذه اللجنة، بقرار من مجلس حقوق الإنسان يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، لا يمثل فقط تتويجاً لمسار مهني استثنائي، بل يعكس أيضاً الحضور المتنامي للخبرة القانونية التونسية في دوائر العدالة الدولية.

على مدى ما يقارب أربعة عقود، راكمت منية عمّار تجربة قضائية ومؤسساتية رفيعة المستوى، جعلت منها اسماً مرجعياً في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. فقد تدرجت داخل السلك القضائي التونسي إلى أن شغلت منصب قاضية سامية بمحكمة التعقيب، أعلى هرم القضاء العدلي في البلاد، حيث اقترن عملها بالدقة القانونية والاستقلالية والصرامة المهنية.

لكن مسيرتها لم تتوقف عند حدود القضاء التونسي. فمنذ وقت مبكر، اتجه اهتمامها نحو الفضاء الدولي، حيث تقلدت مناصب محورية في منظمات إقليمية ودولية. بين عامي 2014 و2016، تولت مهمة المنسقة الإقليمية للقانون الدولي الإنساني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، انطلاقاً من مقرها في القاهرة، في مرحلة اتسمت بتصاعد النزاعات المسلحة وتعقّد التحديات الإنسانية في المنطقة.

وسبق ذلك انتخابها عام 2007 رئيسةً للجنة العربية المستقلة للخبراء التابعة لجامعة الدول العربية، ثم رئاستها عام 2010 للجنة العربية للمرأة والقانون الدولي الإنساني المنبثقة عن منظمة المرأة العربية، وهو ما عزز حضورها كصوت قانوني عربي مدافع عن إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في القوانين والسياسات الإنسانية.

وفي عام 2019، اختارت منية عمّار أن تؤسس في تونس «المركز العربي للقانون الدولي»، كمشروع فكري وحقوقي يربط البحث الأكاديمي بالممارسة العملية، ويجعل من التكوين والمناصرة أدوات لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والقانون الإنساني في العالم العربي. ومن خلال هذا المركز، واصلت دورها ككاتبة ومدرّبة، مسهمة في عدد وافر من الدراسات والمنشورات، ومشاركة في تأليف كتب تناولت حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق العمال، إلى جانب قضايا العدالة الانتقالية والحَوْكمة القائمة على الحقوق.

وقد تميزت مسيرتها بتعاون وثيق مع وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، وشبكات المجتمع المدني، حيث كانت حاضرة في مسارات دعم الإصلاحات القانونية وبناء آليات حماية الحقوق الأساسية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن القانون لا يكتمل أثره إلا عندما يتحول إلى ضمان فعلي للكرامة الإنسانية.

اليوم، بانضمامها إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، إلى جانب شخصيات دولية بارزة مثل فيونوالا ني أولين وباولو سيرجيو بينييرو، تدخل منية عمّار مرحلة جديدة من مسيرتها، عنوانها المساءلة الدولية والبحث عن الحقيقة في واحد من أكثر النزاعات دموية وتعقيداً في العصر الحديث. وهو تعيين لا يكرّس فقط مكانتها الشخصية، بل يمنح تونس موقعاً معنوياً متقدماً داخل منظومة العدالة الأممية، حيث تتحول الخبرة القانونية إلى أداة لكشف الانتهاكات والدفاع عن حقوق الضحايا وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية