بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليس ما يجري في فنزويلا حدثا عاديا عابرا في سجل الأخبار العالمية ، بل علامة دالّة على تحوّل أعمق في روح النظام الدولي .
ففي عالم لم يعد يُدار بالأفكار بقدر ما يُدار بالقدرة على الفعل ، تتكشّف السياسة في صورتها الخام ، حيث القوة تسبق الشرعية ، والنتائج تُبرّر المسارات .
كاراكاس، في هذا المعنى، ليست مدينة محاصَرة بالأزمات، بل سؤال مفتوح عن معنى السيادة في زمن الموازين المتحرّكة .
فحين يتبدّل ميزان القوة ، تتراجع القوانين إلى الهامش ، وتتحوّل الأخلاق السياسية إلى خطاب تجميلي ، يُستدعى عند الحاجة ويُقصى عند تعارضه مع المصالح العليا.
وما يوصف اليوم بالانتهاك ، قد يصبح غدا سابقة ، ثم قاعدة غير معلنة في إدارة الصراع الدولي .
المثاليون يرون في المشهد ظلما فجّا ، والواقعيون يقرؤونه كتحصيل حاصل. غير أن الحقيقة تسكن في المسافة بين الاثنين : حيث لا يلغى القانون تماما ، لكنه يؤجّل ، ولا تُدفن القيم ، لكنها تُفرّغ من قدرتها على الردع .
هنا، لا يعود السؤال : من المخطئ ؟ بل : من يملك القدرة على فرض روايته للعالم؟ .
في هذا السياق ، لا تبدو الجغرافيا بريئة .
فشمال إفريقيا، كما غيرها من المناطق الحسّاسة ، ليست خارج التاريخ ولا على هامش الجيوبوليتيك ، بل تقع في قلب شبكة معقّدة من المصالح والتحالفات . إنها فضاء مراقَب، لا تُقاس فيه النوايا بحسنها ، بل بنتائجها ، ولا تُمنح فيه حرية الحركة إلا بقدر ما تسمح به الموازين الدولية.
التجربة تُعلّمنا أن الاندفاع ، مهما كان ملبّسًا بالنوايا النبيلة ، قد يتحوّل إلى خطيئة سياسية .
فالثورات التي لا تُحسن قراءة الزمن، والقيادات التي تخلط بين الشجاعة والتهوّر، غالبًا ما تفتح الأبواب على فوضى لا تُغلق بسهولة.
والتاريخ القريب في منطقتنا شاهدٌ على أن بعض القرارات ، حين تُتّخذ خارج حسابات القوة و المنطق ، تُدخِل الأوطان في أعمار طويلة من التيه .
لهذا، تستعيد الحكمة السياسية معناها العميق، لا بوصفها تنازلا ، بل باعتبارها وعيًا بحدود الممكن.
وما قاله الحبيب بورقيبة في ديسمبر 1972 لم يكن خطاب مرحلة ، بل تأمّلا في طبيعة الحكم ذاته : أن القيادة ليست صخبا ولا قفزا في المجهول، بل قدرة على الإصغاء للزمن، ومهارة في تأجيل الصدام حين يكون ثمنه وجود الدولة.
في عالمٍ يتغيّر دون استئذان ، لا يكون البقاء للأكثر عدالة، بل للأكثر فهما لتوازنات اللحظة . وتلك، ربما، هي الحقيقة الأكثر إيلاما في فلسفة السياسة في عصرنا الحديث.



