بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في سيرة هذا الفنان تتقاطع الأغنية والرصاصة ، يتواجه النور والظلام في مرآة واحدة.
هو فضل شاكر، الصوت الذي حمل يوما العود والميكروفون ، ثم ألقى بهما ليحمل البندقية ، قبل أن يعود بعد رحلة التيه الطويلة ليغنّي للحب من جديد ، وكأنما يغسل روحه من رماد الحرب.
في قصته تختصر مأساة الإنسان العربي المعاصر : ذلك الذي تمزّقه الهوية بين القلب والعقيدة ، بين نداء الجمال وضجيج العنف .
لم يكن فضل شاكر مجرّد مطرب رومانسي ، كان حالة وجد غنائي ، رمزا للعاطفة الشفافة التي صارت لاحقا سجينَ أيديولوجيا متشدّدة.
حين انكفأ على نفسه ، لم ينكفئ فنانٌ واحد ، بل جيل بكامله خاف من الحب وابتلعته الشعارات .
ثم كانت العودة. أطلّ بصوته في أغنيته الأخيرة ” صحاك الشوق من نومك ” ، فاهتزّت الذاكرة قبل الآذان .
تجاوزت الأغنية الأرقام القياسية لا لأنها لحن جميل ، بل لأنها عودة إنسانٍ من المنفى إلى نفسه.
كانت كأنّها صلاة حبّ بعد اعتراف ، رسالة غفران من قلب ذاق التيه فعرف قيمة النور .
تلك الكلمات التي يهمس بها : ” صحاك الشوق من نومك… لا يومي يخلص ولا يومك إلا بلقاك يا حبيبي ” . ليست فقط نداء عاشقٍ لحبيبته ، بل يمكن سماعها كصرخة الروح العربية المرهقة ، الباحثة عن تصالحها بين الجسد والروح ، بين الشريعة والعاطفة ، بين الخوف والرغبة في الحياة .
اشتهر فضل شاكر في أواخر التسعينيات من القرن الماضي بصوت يحمل الدفء والصدق ، ثم تحوّل فجأة، إلى صوت غائب في دهاليز التشدّد. غاب لسنواتٍ في مخيّم عين الحلوة ، قبل أن يطلّ مجددا في 2025، بعد أن سلّم نفسه إلى القضاء اللبناني .
وكأن القدر منح” ملك الاحساس” فرصة ليعيد تعريف نفسه، لا كمقاتل باسم الله ، بل كـ ” مغنٍ باسم الإنسان “.
المفارقة هنا ليست نفاقا، بل صدعٌ في الروح .
فالذي قاتل بالأمس باسم العقيدة ، يغنّي اليوم باسم الحب .
كأنّه يحاول أن يُرمّم ما تهدّم فيه ، أو يغفر لنفسه باللحن بعد أن عجز عن الغفران بالسلاح .
هذه ليست فقط حكاية فضل شاكر، بل حكايتنا نحن : مجتمعات تتغنّى بالرحمة وتُنتج القسوة ، ترفع راية الجمال وتخاف من الحب.
إنها السكيزوفرينيا العربية الكبرى: انشطارٌ بين النصّ الذي يدعو إلى المحبة، والواقع الذي يقدّس المنع والعقاب.
حين يغنّي اليوم : ” الدنيا منعيشها مرة، نخليها حلوة ليه مرة ” ، فهو لا يغازل امرأة ، بل يواجه ثقافة الموت التي ابتلعته ذات يوم .
كأنّه يقول : الحياة تستحق أن تُعاش، وأن يُغنّى لها، مهما كانت الجراح .
انقسام الناس حوله بين من يسامحه ومن يدينه هو انعكاس لانقسامنا جميعا بين القاضي والإنسان .
البعض يرى فيه ” الخائن ” ، والآخر يرى فيه ” التائب ” . لكن الحقيقة الأعمق أن في كلٍّ منا شيئا من فضل شاكر: خوفٌ من السقوط، وحنينٌ إلى النقاء، وصراع بين الغلظة والرقة.
هكذا، يصبح فضل شاكر مرآة لروحٍ عربيةٍ هشّة ، تتأرجح بين الجنة والجحيم، بين القصيدة والقنبلة. لقد غنّى بعدما صمت الرصاص، ليقول لنا ببساطة مؤلمة : ” الحب هو الجهاد الحقيقي… الجهاد ضد القسوة التي تسكننا ” .




2 Comments
كلنا أحببنا فضل شاكر وأغانيه الرومانسية . وبطبيعة الحال كلنا شعرنا بألم لرحلة التيه التي خاضها وأخذته بعيدا عن الموسيقى والرومانسية وهذا ليس عيبا في حد ذاته. العيب هو أن تأخذك هذه الرحلة في غياهب العنف وثقافة الموت ثم تعود هكذا دون مقدمات بأغنيات رومانسية جميلة بلا شك مع أداء أقل ما يقال عنه أنه يتسم بميوعة غير مستساغة من طرف من كان قبل حين يحمل سلاحا دفاعا عن قضية ٱمن بها ولو لحين. أي نعم الإنسان خطاء بطبيعته ولا عيب في القيام بمراجعات لكن لكونك يا فضل شاكر فنان معروف فإنني كنت أنتظر أن تعود بأغنية ملتزمة نوعا ما تحترم متابعيك وتعبر عن المخاض الذي عشته والمحنة التي تواجهها وعن بعض التوهان الذي يعيشه المواطن العربي وبعض المتناقضات التي تتصارع بداخله. لا أن تعود بأغنيات عاطفية أديتها بميوعة مبالغ فيها وكأن شيئا لم يكن وفي وقت كان الجميع فيه يتألم لما يحدث في غزة والسودان سوريا و…و…لقد فوت عن نفسك للأسف فرصة العودة المحترمة لنفسك ولمتابعيك وللسياق الذي نعيش فيه. حتى أنني لما استمع إليك أتساءل تلقائيا من أنت؟؟؟ هذا الذي يريد العودة لأسباب لا تعلمها أو ذلك الذي غير “التكتيك والبوليتيك” لكي يحصل على شيء لا نعلمه؟؟؟
المقال ممتاز و النقد، كعادتك، بناء…برافو أستاذة حذامي، كما عهدناك موضوعية و دقيقة