بقلم ابوبكر الصغير.
ليس من السهل أن تمسِك دولة ما بخيط المستقبل بثبات ، وأن تدير حاضرها بعقلية الطامحين لا بعقلية المطمئنين . المملكة العربية السعودية تفعل ذلك اليوم بوعي كامل ، وبثقة تُشبه ثقة الأمم التي تعرف تماما إلى أين تتجه.
في هذا السياق، جاءت ميزانية السعودية لعام 2026 لتكون أكثر من وثيقة مالية ، إنها بيانٌ وطنيّ جامع ، إعلان متجدد بأن مشروع التحول السعودي لم يعد فكرة قيد التشكل ، بل أصبح واقعا يمشي على الأرض ، ومواطنا في القلب، واقتصادا في طريق صعوده العالمي.
منذ اللحظة الأولى، شدّد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على أن هذه الميزانية ليست منعطفا جديدا بقدر ما هي خطوة ضمن مسار طويل من البناء الهادئ ، والعمل العميق ، والهندسة الهادفة لاقتصاد سعودي جديد لا يرى المواطن رقما ، بل معيارا ، ولا يعتبره مستفيدا فحسب، بل شريكا في خلق المستقبل.
لقد كان العقد الماضي في المملكة عقد الإصلاحات الكبرى.
تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أعيد تشكيل بنية الاقتصاد السعودي من جذورها ، انتقلت المملكة من نموذج يعتمد على مصدر واحد و هو الطاقة إلى فضاء اقتصادي متنوع نابض بالحياة ، يفتح مجالات جديدة كل يوم، ويمنح المواطن السعودي و المواطنة السعودية دورا محوريًا في التجربة التنموية نفسها.
انّ هذا التحول لم يبق نظريا : فنسبة التضخم من بين الأدنى عالميا، و بيئة الأعمال أكثر قدرة على جذب الاستثمار، والقطاع الخاص يتحرك بحرية أكبر، فيما تتوسع القطاعات غير النفطية بوتيرة جعلتها اليوم المحرك الرئيسي للنمو. تقدّر المؤشرات الأولية لناتج 2026 ارتفاعا حقيقيا بنسبة 4.6%، في تأكيد جديد على نجاعة الطريق الذي اختارته المملكة.
ميزانية 2026 تستند إلى رؤية بعيدة المدى ، وإلى سياسات مالية مرنة ، وإدارة رشيدة للدّين العام ، تجعل الاقتصاد .السعودي أكثر صلابة أمام التقلّبات العالمية ، وأكثر قدرة على مواصلة النمو المستدام لسنوات طويلة قادمة..

إنها ميزانية تُطمئن الداخل، وتبعث برسائل واضحة للخارج : أن المملكة تمضي بثقة كبيرة نحو اقتصاد عالميّ الحضور، واسع الفرص، سريع التحول.
ولأن التنمية اليوم تُقاس بحجم الجرأة على الاستثمار في المستقبل، يبرز دور صندوق الاستثمارات العامة بوصفه محركا استراتيجيا ينسج شراكات كبرى، ويؤسس قطاعات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. بينما يعمل صندوق التنمية الوطني وبقية الصناديق المتخصصة على دعم الاقتصاد المنتج وتمويل مشاريع نوعية تقود التحول على الأرض.
ما يميز هذه الميزانية حقا هو أنها تُعيد التذكير بأن الاستثمار الحقيقي ليس في البنى التحتية ولا في العائدات المالية فقط، بل في الإنسان السعودي نفسه.
فالرهان الأكبر ، كما أكد سمو ولي العهد هو على المعرفة ، والكفاءة ، والقدرة على الابتكار، وعلى بناء جيل يقود المملكة في فضاءات العلم والتقنية والاقتصاد والإنسانية.
إنه رهان يستمد جذوره من المبادئ الراسخة للدين الإسلامي، ومن قيمٍ ترى في الإنسان قيمة عليا وغاية نهائية للتنمية.
هكذا، لا تبدو ميزانية 2026 مجرّد ارقام و حسابات لعام واحد، بل فصلا جديدا من سردية سعودية أكبر: سردية أمة تبني مستقبلها بوعي وثقة، وتضع المواطن في القلب ، وتصعد خطوة بعد خطوة إلى موقعها الطبيعي في قمة الاقتصاد العالمي.



