تونس 31°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

حين يتحوّل العدل إلى رعاية : السعودية ونموذج حماية الفئات الهشّة .

بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

تُقاس عدالة الدول لا بما تُشيّده من مؤسسات وقوة ونفوذ ، بل بما تمنحه لأكثر فئاتها هشاشة من رعاية واحتضان ، وبقدرتها على حماية من لا يملكون صوتا يُسمع أو يدا تستند إليها. فهناك ميزان أخلاقي واضح لا يتغيّر: الدول العادلة هي التي تتجه أولاً بقلبها قبل تشريعاتها نحو الضعفاء ، تُصغي لاحتياجات الأقليات ، وتفتح الطريق أمام الأطفال ذوي الإعاقة ليكونوا جزءا كاملا من مجتمعهم .
وعلى هذا الميزان الدقيق، نجحت المملكة العربية السعودية في ترسيخ نفسها كنموذج عالمي يُحتذى به في سياسات الرعاية والعدالة الاجتماعية.
لقد تجاوزت التجربة السعودية مرحلة المبادرات المتفرقة لتصبح رؤية شاملة تنبض من أعلى هرم القيادة .
وما أعلنه المستشار بالديوان الملكي والمشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة الدكتور عبدالله الربيعة حول اعتماد الرابع والعشرين من نوفمبر يوما عالمياً للتوائم الملتصقة بمبادرة سعودية ، ليس سوى دليل جديد على أنّ المملكة باتت فاعلا مركزيا في صياغة القضايا الإنسانية على الساحة الدولية ، وصوتا يحرّك الوعي العالمي نحو فئات قلّما تلتفت إليها الأضواء.
إن تخصيص يوم عالمي للتوائم الملتصقة لا يُعدّ احتفالاً بروتوكولياً بقدر ما هو اعتراف أممي بدور السعودية في حماية هذه الفئة النادرة والدفاع عن حقها في الحياة والرعاية والتعليم والدمج الاجتماعي.
إنّه تتويج لرؤية إنسانية واسعة ، تتأسّس على قيم العدالة والرحمة وصون كرامة الإنسان مهما كانت تحدّياته الجسدية وظروفه الحياتية.
ومن خلال البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، الذي انطلق منذ عام 1990، أكدت المملكة أنّها لا تكتفي بإعلان المبادرات، بل تحوّلها إلى إنجازات ملموسة بقدرات طبية وعلمية استثنائية. فقد تَمّ تقييم 152 حالة من 28 دولة عبر خمس قارات، وإجراء 67 عملية فصل ناجحة، في حصيلة لا تعبّر عن التفوق الطبي فحسب ، بل عن تحمّل مسؤولية إنسانية تتجاوز الحدود والخرائط . فالسعودية في هذا المجال لا تعالج جنسية ولا عِرقاً، بل تعالج الإنسان لذاته … وهنا يكمن جوهر العدالة العابرة للانتماءات.
ما يميز التجربة السعودية أكثر أنّها لم تحصر دورها في ” العملية الجراحية ” ، بل امتد جهدها إلى الرعاية التي تليها : متابعة طبية، وتأهيل نفسي، ودعم اجتماعي وتعليمي شامل.
فهذا التكامل هو ما يفصل بين عمل طبي روتيني وعمل إنساني يخفّف الألم ويصنع الأمل. وهل هناك عدل أعمق من أن يبدأ طفلان كانا متلاصقين حياتهما الجديدة بفرص متساوية ودعم مستمر؟
واليوم، ومع مشاركة المملكة في تنظيم الحدث الأممي في نيويورك تحت شعار ” من الأقوال إلى الأفعال ” ، يتأكد مرة أخرى أنّ السعودية أصبحت قوة ناعمة مؤثرة ، تحمل رؤية عملية للتعامل مع الفئات الأكثر هشاشة ، وتذكّر العالم بأنّ رعاية الضعفاء ليست خيارا سياسيا ، بل معيارا حضاريا ودليلا على رُقي الدول .
فالمنجز السعودي في هذا الحقل ليس مجرد نجاح طبي ، بل هو انتصار لفكرة الإنسان نفسها.
والمملكة، التي كانت تُعرف لعقود بقوتها الاقتصادية والسياسية، باتت تُعرف أيضا اليوم بقدرتها على تحويل الرحمة إلى مؤسسات ، والعطف إلى برامج ، والرؤية الإنسانية إلى قرارات أممية تعيد الاعتبار لمن يعيشون على هامش الاهتمام العالمي.
وهكذا، تثبت السعودية أنّ العدل ليس خطابا يُلقى ، بل فعل يتجسّد ، وأن رعاية الفئات الهشّة هي أصدق تعبير عن حضارة تضع الإنسان في مركزها. وفي زمن مثقل بالصراعات والمصالح، تظل مثل هذه المبادرات ضوءا نادرا … ضوءا يذكّر بأنّ الرحمة حين تتحوّل إلى سياسات تُصبح قوة ، وأنّ القوة حين ترتكز إلى إنسانية صادقة تتحوّل إلى عدالة تستحق كلّ الاحترام .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية