بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم تعد العلاقة بين المغرب ودول الخليج تُقاس ببلاغات المجاملة ولا تُختزل في بيانات الدعم التي تولد تحت ضغط اللحظة ، بل أصبحت تُقرأ في مستوى أعمق : مستوى تقاطع استراتيجي يعكس وحدة في الرؤية ، وتطابقا في إدراك التهديدات ، وتنسيقا يتجاوز الظرفي نحو البنيوي .
في زمن الحروب ، حيث تسقط الأقنعة وتُختبر التحالفات بالفعل لا بالقول ، يبرز هذا التقاطع كأحد المؤشرات الصامتة على إعادة تشكيل التوازنات داخل العالم العربي .
ما نشهده اليوم ليس مجرد تقارب بين أطراف متباعدة يجمعها الود ، بل هو تشكّل فضاء سياسي شبه موحد ، يتقاسم نفس القراءة للتحولات الإقليمية ، ونفس الحساسية تجاه مصادر الخطر .
لم تعد قضايا الأمن والاستقرار ، ورفض التدخلات الخارجية ، ومواجهة مشاريع زعزعة الدول ، مجرد عناوين خطابية ، بل تحولت إلى أرضية صلبة تُبنى عليها مواقف متناسقة في التوقيت والاتجاه ، وكأننا أمام عقل استراتيجي واحد موزع على أكثر من عاصمة .
هذا التحول لم يولد فجأة ، بل هو حصيلة تراكم طويل من الثقة التي صقلتها المواقف في اللحظات الحاسمة .
حين ساندت دول الخليج قضية الصحراء المغربية ، لم يكن ذلك انحيازا دبلوماسيا عابرا، بل تعبيرًا عن وعي عميق بوحدة المصير . وحين انخرط المغرب في معادلة أمن الخليج ، لم يكن ذلك ترفا سياسيا ، بل ترجمة لقناعة راسخة بأن أمن المنطقة شبكة مترابطة ، وأن أي اختلال في طرفها يمتد أثره إلى الجميع.
في خضم التحولات الراهنة ، تتجلى قيمة هذا التقاطع بوضوح لافت .
ففي وقت تتسم فيه علاقات عربية أخرى بالتردد أو التناقض ، يفرض الانسجام المغربي الخليجي نفسه بهدوء لافت ، دون ضجيج أو مزايدات .
لا حاجة لخطابات مرتفعة ، لأن الاتفاق قائم ضمنيًا على الأولويات، وعلى تعريف المخاطر، وعلى حدود الفعل الممكن .
وهذا الصمت المنسجم ، في حد ذاته ، علامة نضج سياسي وانتقال من مرحلة التنسيق إلى مستوى الشراكة الفعلية.
غير أن الدلالة الأعمق لهذا المشهد تتجاوز الحاضر لتطرح سؤال المستقبل : هل نحن أمام نواة محور عربي قادر على الفعل والتأثير، لا مجرد التفاعل مع الأزمات ؟ لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في وحدة الموقف ، بل في القدرة على تحويل هذا الانسجام إلى سياسات مشتركة ، وأدوات ضغط ، ومبادرات قادرة على إعادة توجيه مسار الأحداث .
لقد علمتنا التجارب أن كثيرا من التحالفات العربية تنهار عند أول اختبار حقيقي ، لكن ما يتشكل اليوم بين المغرب والخليج يوحي بمسار مختلف .
نحن أمام علاقة لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على إدراك جماعي بأن المرحلة لم تعد تحتمل التشتت ، وأن الحفاظ على الاستقرار يمر عبر تنسيق صلب لا يقبل الازدواجية ولا التردد .
في عالم يعاد تشكيله على وقع الصراعات، لم يعد كافيًا أن تتقارب المواقف ، بل أصبح لزاما أن تتوحد الرؤى وتتكامل الأدوات .
هنا تحديدا تتجلى قيمة هذا التقاطع المغربي الخليجي : ليس كتحالف ظرفي ، بل كإمكانية سياسية كبرى ، مفتوحة على إعادة تعريف معنى الشراكة العربية في زمن لا يعترف إلا بالكتل المتماسكة والقوى القادرة على الفعل .

