تونس 16°C

5 مارس 2026

تونس 38°C

5 مارس 2026

حين تتحوّل السياسة إلى عرض بصري : ميلانيا ترامب بين الحقيقة وصناعة الصورة .

بقلم: أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في مائة وأربع دقائق من اللقطات المصقولة بعناية ، تتحوّل السياسة في الوثائقي ” ميلانيا : عشرون يوما قبل دخول التاريخ ” ، إلى مسرح بصري كامل ، تتحول فيه القرارات إلى مجرد خلفية باهتة ، والسلطة إلى حركة محسوبة داخل إطار أنيق ، بينما يتزيّن الفراغ بلمعان الأنوثة والاتقان الشكلي .
فالفيلم لا يسعى إلى كشف الحقيقة ، بل إلى تهذيبها وتلميعها ، وتحويل الصمت إلى فضيلة راقية ، والحياد إلى سلوك متعمد يشفّ عن طبقة من ” الأناقة الهادئة ” .
ميلانيا ترامب تُقدَّم هنا ليس كشخصية سياسية أو إنسانية ، بل كجمال يمشي ، كصورة تكتفي بسطحها ، وكأن وظيفتها الأساسية أن تبدو متقنة لا أكثر .
الكاميرا تعترف بسحرها قبل أن تعترف بعمقها .
تقف ميلانيا أمام العدسة كما لو كانت لوحة حيّة ، تحيطها إضاءة تُخرج ملامحها المثالية بدقة تكاد تكون هندسية . لا طفولة، لا مسار ، لا تعقيدات ، ولا محاولة لفهم موقعها الفعلي داخل واحدة من أكثر الإدارات الأميركية إثارة للانقسام .
كل ما يقدّمه الفيلم هو عشرون يوما تسبق تنصيب دونالد ترامب ، وكأن التاريخ يُضغط في لحظة ، وكأن الذاكرة الجماعية قابلة للقصّ وإعادة المونتاج لاستبدال المعنى بالبريق .
ليس من الممكن فصل هذا العمل عن سياق أميركي جديد تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع صناعة الرموز .
فالسخاء الذي دفعته أمازون لاقتناء الوثائقي ليس بريئا ، فالمال هنا شريك في إعادة إنتاج السلطة ، في تحويل السيدة الأولى إلى ” علامة بصرية ” محصّنة من النقد ، وإلى واجهة تُباع فيها الأناقة كقيمة سياسية بذاتها.
صمت ميلانيا، كما يصوّره الفيلم ، ليس حيادا بل استراتيجية .
صمت مشذّب يُسوَّق بوصفه نبلا ، وهو في الحقيقة تهرّب من أسئلة تتعلق بالسلطة والأخلاق وموقع المرأة داخل منظومة حكم ذكورية .
القيم المعروضة تبدو مقطوعة عن سياقها ، أشبه بزخارف أخلاقية لملء الفراغ لا لتعميق الفهم.
ما يقدّمه الوثائقي ليس سيرة امرأة ، بل سيرة عصر : عصر يقدّم الصورة على الحقيقة، والانطباع على الوقائع، والعاطفة المُعلّبة على النقاش العام . عصر تُستعمل فيه الوثائقيات كأدوات للقوة الناعمة ، تُعيد تشكيل الذاكرة الجمعية وتلميع زوايا السلطة تحت غطاء من الجمال الموجّه.
يغادر المشاهد الفيلم دون الاقتراب خطوة واحدة من ميلانيا الحقيقية . لكنه يدرك شيئًا آخر : أن ما شاهده ليس محاولة للفهم ، بل درس متقدم في الإخفاء والتجميل والتسويق السياسي .
الجمال موجود، نعم، لكنه هنا جزء من العرض ، جزء من اللعبة ، جزء من سياسة تُعيد الإنسان إلى صورته، والواقع إلى مسرح كبير .
وذلك، بحد ذاته، موقف سياسي غير معلن… يقرأ زمننا أكثر مما يقرأ امرأة تدعى السيدة الاولى ميلانيا ترامب .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية