بقلم – ابوبكر الصغير .
أثار بيان صادر عن مجموعة من علماء تونس ومشايخها، نُشر اليوم ، جدلا في الأوساط الدينية والسياسية، بعدما حذّر من ما وصفه بـ ” انتشار ظاهرة التشيّع ” و ” افتتاح حسينيات ” في بعض ضواحي العاصمة تونس ومناطق أخرى من البلاد.
البيان، الذي جاء بصيغة مباشرة وقوية، دعا السلطات إلى التدخل لحماية الهوية الدينية لتونس، وأثار تساؤلات حقيقية حول حدود حرية المعتقد، ومفهوم الأمن القومي، وسبل الحفاظ على التماسك المجتمعي في بلد يُعدّ من أكثر الدول العربية انفتاحًا دينيا وفكريا.
يحمل البيان توقيع عدد من الأساتذة الجامعيين والدعاة الافاضل ، على رأسهم الدكتور أبو لبابة حسين والشيخ عمر اليحياوي، وقد جاء كرد فعل على ما اعتبره الموقعون ” محاولات ممنهجة لإنشاء طائفة شيعية داخل المجتمع التونسي السني المالكي ” ، وذلك من خلال افتتاح أماكن عبادة خاصة (حسينيات) وتنظيم احتفالات بعاشوراء على الطريقة الشيعية، وهي ممارسات لم تكن مألوفة في الثقافة الدينية التونسية .
البيان حذّر من أن هذا التمدد ” لا يهدد فقط البنية المذهبية ” ، بل قد يفتح الباب أمام ” الانقسام الطائفي ” و ” الارتباط بولاءات خارجية ” ، ما يُعتبر، حسب الموقعين، تهديدا مباشرا لـ ” الأمن القومي التونسي ” ووحدة المجتمع.
من منظور عقلاني، لا يمكن إنكار وجود قلق حقيقي لدى بعض النخب الدينية في تونس تجاه ظاهرة التشيّع، خاصة في ظل السياق الإقليمي الذي أصبحت فيه الطائفية وقودا لصراعات مدمّرة كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن ولبنان .
كما أنّ الخطاب الشيعي التقليدي، بما يحمله أحيانا من مواقف نقدية تجاه بعض رموز الإسلام السني، يمكن أن يُثير التوتّر في مجتمعات معتادة على نمط واحد من التدين.
البيان، في هذا الإطار، يعبّر عن هواجس مشروعة بخصوص الحفاظ على وحدة البلاد الدينية والثقافية، وهو بذلك يعيد فتح النقاش حول معنى ” الهوية الدينية ” في دولة مدنية تُقرّ دستوريا بحرية المعتقد، ولكنها تنتمي تاريخيا لمذهب واضح ومحدد.
البيان يُثير أيضا إشكالية محورية وهي : متى تتحوّل حرية المعتقد إلى تهديد للأمن القومي؟ سؤال حساس في تونس، حيث كفل الدستور حرية الضمير والمعتقد، ولكن في المقابل، فإن بعض التحركات الدينية قد ترتبط فعلا بجهات خارجية تسعى لبسط نفوذها الناعم عبر أدوات دينية أو ثقافية.
وهنا تكمن دقّة الموقف : فليس كل من اعتنق المذهب الشيعي هو عميل لإيران، كما أن ليس كل مظهر تعبّدي شيعي هو بالضرورة مشروع طائفي. لكن من واجب الدولة ، وليس الأفراد أو الجمعيات ، التحقيق والتدقيق إذا ما ثبت وجود تمويل خارجي أو أجندات سياسية تسعى لتغيير ملامح الهوية التونسية أو التأثير على السيادة.
بيان علماء تونس يعكس، دون شك، قلقًا حقيقيا حول تحوّلات دينية غير تقليدية قد تؤثّر على توازن المجتمع، ولكن الاستجابة العقلانية لذلك لا تكون بإغلاق الفضاء الديني أو شيطنة كل مختلف، بل بترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز الثقافة الدينية الوسطية، وتشجيع الحوار بين المذاهب تحت مظلة الدولة.
وإن كانت ” الهوية ” تستحق الحماية، فإنها لا تكون قوية إلا إذا كانت قادرة على استيعاب الاختلاف، دون أن تتحوّل إلى أداة إقصاء أو صراع. وتبقى الدولة، في نهاية المطاف، هي الجهة الوحيدة القادرة على التمييز بين حرية المعتقد و ” الاختراق الطائفي المنظّم ” ، وفق القانون والمؤسسات.


