بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في كل مرة تهتز فيها دولة من الداخل ، تتقدّم القوى الكبرى خطوة إلى الأمام ، لا بدافع التعاطف وحده ، بل لأن الارتباك الداخلي يفتح شهية النفوذ ويُغري بإعادة رسم الخرائط .
ما يجري في إيران اليوم لا يُقرأ في واشنطن كحراك اجتماعي فحسب ، بل كمعادلة سياسية مفتوحة : هل يُترك مسار الغضب الشعبي ليتبلور وفق إيقاعه الذاتي ، أم يُدفع نحو لحظة انفجار تُدار من الخارج وتُستثمر استراتيجيًا ؟.
داخل أروقة الكونغرس الأميركي ، لا يسود إجماع ، لكن الاختلاف لا يرقى إلى الفوضى .
ثمة تيار جمهوري يرى في الاحتجاجات الإيرانية برهانًا متأخرًا على صواب سياسة ” الضغط الأقصى ” التي انتهجها دونالد ترامب ، ويعتقد أن النظام بات على حافة الانهيار، وأن المطلوب هو دفعه إلى السقوط الكامل .
في هذا المنطق، تتحول معاناة الإيرانيين إلى ورقة ضغط ، ويُختزل مطلبهم المتعدد والمعقّد في شعار واحد : إسقاط النظام ، بأي ثمن و مهما كانت التكلفة .
في المقابل، يعبّر قطاع وازن من الديمقراطيين عن تضامن مشوب بالحذر .
هم يعترفون بأن الغضب الشعبي يحمل طاقة تغيير حقيقية ، لكنهم يخشون أن تفقد هذه الطاقة معناها بمجرد أن تلامسها اليد الأميركية .
فالتجربة علّمتهم أن التدخل الخارجي لا يصنع ديمقراطية ، بل يحوّل الثورات إلى حروب بالوكالة ، ويعيد إنتاج كوارث تغيير الأنظمة بالقوة .
لذلك تتكرر في خطابهم عبارة : ” دعوا الإيرانيين يقررون مصيرهم ” ، وكأنها استدعاء واعٍ لذاكرة العراق وليبيا، تلك الذاكرة التي لم تُمحَ من وعي واشنطن ، مهما حاول البعض تجاوزها .
هذا التباين في المواقف يعكس إدراكًا ضمنيًا لحقيقة شديدة الخطورة : التدخل الخارجي لا ينقذ الثورات ، بل يبدّل طبيعتها .
فما إن تدخل قوة عظمى على خط حراك داخلي ، حتى يتحول السؤال من ” ماذا يريد الشعب ؟ إلى ” من يقف مع الخارج ومن ضده ؟ . عند هذه النقطة، يبدأ الانقسام العمودي داخل المجتمع ، وتتحول الثورة من صراع ضد السلطة إلى صراع على الشرعية الوطنية نفسها.
إيران، بتاريخها العميق وهويتها المركّبة ، ليست أرضا خاوية قابلة لإعادة التشكيل بقرار خارجي .
هي فسيفساء من القوميات ، والطبقات ، والتيارات الفكرية والدينية ، وتراكمات تاريخية معقدة تمتد لقرون .
انّ أي تدخل خارجي أميركي مباشر، سياسيا كان أو عسكريا، لن يختزل هذه التعقيدات ، بل سيعيد ترتيبها في صيغة أكثر عنفا. وبدل نظام واحد متصدّع ، سنكون أمام خرائط ولاءات متناحرة ، تختلط فيها مطالب الحرية باتهامات الخيانة ، وتضيع الثورة بين فكي الاستقطاب والحرب الأهلية .
المفارقة القاسية أن أكثر ما قد ينقذ النظام الإيراني من السقوط ليس صلابته ، بل أخطاء خصومه .
فعندما يُقدَّم الغضب الشعبي بوصفه أداة في استراتيجية أميركية ، يفقد جزءًا من صدقيته الداخلية .
يتحول المحتج، في نظر شرائح واسعة ، من مواطن غاضب إلى عنصر في لعبة دولية .
عندها، يستعيد النظام سرديته القديمة: الدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة ” المؤامرة الخارجية ” .
من هنا، تتجاوز مقولة ” تقرير المصير ” كونها شعارًا أخلاقيًا لتصبح مسألة سياسية وجودية .
فتقرير المصير لا يعني فقط أن يختار شعب ما حكّامه ، بل أن يفعل ذلك من داخل تاريخه ، وبأدواته ، وبلغته ، وبكلفة يتحمّلها هو وحده ، لا أن تُفرض عليه وصفة جاهزة من وراء الحدود. والتجارب التي فُرض فيها ” التغيير ” بالقوة لم تُنتج شعوبًا حرّة ، بل دولًا مُنهكة ، تتنازعها المعارك والولاءات.
إيران اليوم تقف عند مفترق بالغ الخطورة : إمّا أن ينجح الإيرانيون، بكل تناقضاتهم وتعقيداتهم ، في انتزاع تحول ينبع من داخل المجتمع والدولة ، وإمّا أن تُختطف لحظتهم التاريخية وتُعاد صياغتها كحلقة جديدة في صراع دولي .
الفارق بين الطريقين ليس تقنيًا ولا إجرائيًا، بل وجودي : الأول يفتح أفق دولة جديدة ، والثاني يفتح باب بلد منقسم على ذاته .
قد تملك واشنطن طائرات وقواعد ونفوذا واسعا، لكنها لا تملك العنصر الوحيد القادر على صناعة شرعية المستقبل : إرادة الناس في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم .
وفي نهاية المطاف، مهما حاولت القوى الخارجية تبرير تدخلها باسم حماية الشعب الإيراني أو دعم الديمقراطية ، فإن التاريخ يعلّمنا أن الحلول المفروضة من الخارج لا تُنجب إلا الانقسام والفوضى .
إيران، مثل أي شعب آخر، وحدها تملك حق رسم مسارها وتقرير مستقبلها، بعيدًا عن الوصاية والنفوذ .
وكما قال فرانتز فانون بحسم : ” حين لا يختار الشعب مصيره بنفسه ، فإن الآخرين سيختارونه له… دائمًا ضد مصلحته ” .



