تونس 24°C

17 ماي 2026

تونس 38°C

17 ماي 2026

اليمين الإيطالي ، بين شعارات صارمة و واقع ديمغرافي معقّد : مفارقة الهجرة في عهد ميلوني .

بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

بالرغم من تشددها العلني ، وصرامتها في الخطاب السياسي المناهض للهجرة، تجد حكومة جورجيا ميلوني اليمينية نفسها مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى الاعتماد المتزايد على اليد العاملة الأجنبية لضمان استمرارية دوران عجلة الاقتصاد الإيطالي.
فبينما يرفع اليمين نبرة الخطاب محذرًا من “الاستبدال الكبير” ومتحدثًا عن الآثار “المزعزعة” لتدفقات المهاجرين، إلا أنه يرضخ في الواقع لمتطلبات ديمغرافية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
الأرقام الصادرة في عام 2024 تكشف عن مفارقة صارخة : أكثر من 5.4 ملايين مقيم أجنبي في إيطاليا، أي بزيادة نحو 400 ألف شخص عن عام 2022، في وقت تتقلص فيه الكتلة السكانية الإيطالية بوتيرة متسارعة.
ففي 1 يناير 2025، أصبح الأجانب يشكلون 9.2% من مجموع السكان، بزيادة قدرها 169 ألف شخص خلال عام واحد، بينما انخفض عدد الإيطاليين بمقدار 206 آلاف في الفترة ذاتها.
وعلى خط موازٍ ، سجّلت عمليات التجنيس رقمًا قياسيًا بلغ 217 ألف حالة في عام 2024. وكان أبرز المستفيدين من هذه الموجة المواطنون الألبان (31 ألفًا)، والمغاربة (27 ألفًا)، والرومان (15 ألفًا)، بينما شهدت التجنيسات لدى مواطني أمريكا اللاتينية – الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة سابقًا – تراجعًا لافتًا.
هذه التحولات السكانية تفرض على الحكومة الإيطالية إعادة النظر في مواقفها، فمواجهة “الشتاء الديمغرافي” أصبحت أولوية ملحة. ومن هذا المنطلق، أطلقت الحكومة ما يُعد أكبر عملية فتح قانوني لسوق العمل أمام الأجانب في العقد الأخير، حيث منحت منذ 2022 نحو 500 ألف تصريح عمل.
وقد استقبل أرباب العمل هذا التوجه بترحيب واسع، في ظل نقص مزمن في اليد العاملة، لكن هذا الانفتاح يصطدم بإجراءات بيروقراطية معقدة، أبرزها نظام “click day”، حيث تُمنح تصاريح الإقامة في يوم واحد فقط يخصص لكل قطاع، ما يجعل عملية استقدام العمال الأجانب أشبه بيانصيب قانوني، مع إمكانية تنظيم جلسة ثانية في حال بقاء حصص غير مستوفاة.
المشهد الإيطالي الراهن يعكس تناقضًا داخليًا صريحًا في أداء الحكومة : فهي ممزقة بين التمسك بالأيديولوجيا السيادية التي ترفض الهجرة كخطر وجودي، وبين الانصياع للواقع الاقتصادي والديمغرافي الذي يفرض استيعاب المهاجرين وتنظيم دخولهم. وبينما يطالب القطاع الاقتصادي بالمزيد من قنوات الدخول القانوني وتسوية أوضاع المهاجرين، تواصل الحكومة التركيز على جوانب رمزية من سياستها المتشددة. ومن بين أبرز الأمثلة على هذا التوجه الرمزي، مشروع إنشاء مراكز احتجاز في ألبانيا. فقد أصبح مركز جادر، الواقع شمال ألبانيا، جاهزًا للعمل بعد أشهر من التأخير القانوني واللوجستي، لكنه لم يبدأ التشغيل وفق الخطة الأصلية. فقد كانت الفكرة الأولى تقضي بأن يُستخدم المركز لاستقبال المهاجرين الذين يُعترضون في البحر قبل دراسة طلبات لجوئهم.
غير أن المركز أصبح يُستغل حاليا كمركز احتجاز وترحيل للأشخاص الذين صدرت في حقهم قرارات بالإبعاد .
وبعد نقل أول دفعة مكونة من 41 شخصًا في 11 أبريل، لم يعد المركز يؤوي إلا نحو عشرين شخصًا فقط، رغم أن طاقته الاستيعابية تصل إلى 880 شخصًا، وذلك بعد تنفيذ أربع عمليات ترحيل ، وتحويل عدة مهاجرين إلى إيطاليا إثر حالات إيذاء النفس ، ومحاولات انتحار، واحتجاجات.
وعلى الرغم من تخصيص استثمار ضخم يبلغ نحو 670 مليون يورو على مدى خمس سنوات لهذا المشروع، اضطرت الحكومة إلى القبول بتعديل جوهري غير معلن لوظيفة هذه المنشآت، ما جعلها عرضة لانتقادات شديدة من المعارضة والمنظمات غير الحكومية التي اعتبرت المشروع غير فعال ومجرد محاولة لإرضاء الناخبين المتشددين بشعارات فارغة. في ظل هذا الواقع، يظهر جليًا أن الحكومة الإيطالية اليمينية تعيش على وقع تناقض عميق بين خطابها السياسي المتشدد وحاجاتها الاقتصادية والواقعية. وبين الشعارات الشعبوية والرهانات الديمغرافية، تظل الهجرة ورقة مزدوجة الوجه، تكشف كل يوم عن عمق المفارقات في سياسات بلد يشيح بوجهه عن المهاجرين في العلن، لكنه لا يستطيع الاستغناء عنهم في الخفاء.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية